من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
صفة المتحابين في الله ﷿
روي عن البراء بن عازب أنه قال: كنت جالساً عند النبي، ﷺ، فقال: أتدرون أي عُرى الإيمان أوثق؟ قلنا: الصلاة. قال: إن الصلاة لحسنة، وما هي بها. قلنا: الزكاة. قال: وحسنة، وما هي بها. فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون قال: إن أوثق عُرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله.
وأخبرني أبي ﵀، بإسناد ذكره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: إن في الجنة لعموداً من ذهب عليه منائر من زبرجد تضيء لأهل الجنة، كما يضيء الكوكب الدُّرّي في أفق السماء، قلنا: لمن هذا، يا رسول الله؟ قال: للمتحابين في الله.
وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله.
وقال ﵊: الإيمان أن يحبّ الرجل الرجل ليس بينهما نسب قريب، ولا مال أعطاه إياه، لا يحبه إلا لله ﷿.
ورويناه عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ، يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، فتطول الليلة على أحدهما حتى يرى أخاه.
وروينا عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ما حجبني رسول الله، ﷺ، منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. وقال عمر بن الخطاب: لقاء الإخوان جلاء الأحزان.
وقال أكثم بن صيفي: لقاء الأحبة مسلاة الهم.
وكان عبد الله بن مسعود يقول لأصحابه: أنتم جلاء حزني.
وروي عن أبي أمامة قال: من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان.
وقد كانت الحكماء تقول: إن ما يجب للأخ على أخيه مودته بقلبه، وتزيينه بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذّبّ والمدافعة عنه في غيبته.
وأنشدني أبو بكر بن أبي الدنيا:
إذا المرء لم ينصف أخاه، ولم يكنله غائباً يوماً، كما هو شاهده
فلا خير فيه، فالتمس غيره أخاًكريماً، على وصل الكريم تعاهده
فإن غبت يوماً، أو شهدت فوجهه،على كل حال أينما كنت، واجده
أنشدني أحمد بن يحيى لكثير عزة:
وليس خليلي بالملول ولا الذي،إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وفاؤه،ويحفظ سرّي كل دخيل
ولست براض من خليلي بنائلقليلٍ، ولا أرضى له بقليل
وأنشدني بعض الأدباء قال: أنشدني أعرابي ببلاد نجد:
وليس خليلي بالمرجى، ولا الذيإذا غبت عنه كان عوناً مع الدهر
ولكن خليلي من يصون مودتي،ويحفظني، إن كان من دوني البحر
وأنشدني أبو العباس محمد بن يزيد النحوي:
تود عدوي، ثم تزعم أننيأودك، إن الرأي عنك لعازب
وليس أخي من ودني رأي عينهولكن أخي من ودني وهو غائب
وأنشدني يوسف الأعور قال: أنشدني يعقوب بن السكيت لأوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذييذمك إن ولى، ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النائي ما كنت آمناً،وصاحبك الأدنى، إذا الأمر أعضلا
وأنشدني أبو العيناء قال: أنشدني الجاحظ:
أخوك الذي إن سرّك الأمر سره،وإن غبت يوماً ظلّ وهو حزين
يقرب من قربت من ذي مودة،ويقصي الذي أقصيته، ويهين
وأنشدني أحمد بن يحيى:
إذا أنت رافقت الرجال، فكن فتىً،كأنك مملوك لكل رفيق
وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً،على الكبد الحرى لكل صديق
واعلم أن أحسن ما تألف به الناس قلوب أخلائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم، البشر بهم عند حضورهم، والتفقد لأمورهم، وحسن البشاشة، فذلك يثبت المحبة والإخاء، ومنه أحاديث قد ذكرنا بعضها، وقصدنا فيما فيه قناعة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع