من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن، باسم الله يكون الابتداء. وبعونه تتم الأشياء. وبمشيئته تتصرف الدهور. وعلى إرادته تتقلب الأمور. ومنه التوفيق والتأييد. وبيده الإعانة والتسديد. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبتوفيقه إرشاده.
قال أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء المؤلف لهذا الكتاب، وهو الكتاب الموشى نقول ونستعين بالله على السداد ونستهديه، ونستفتح له استفتاح اللاجئ إليه ونستكفيه: يجب على المتأدب اللبيب. والمتظرف الأريب. المتخلق بأخلاق الأدباء. والمتحلي بحلية الظرفاء. أن يعرف قبل هجومه على ما لا يعلمه. وقبل تعاطيه ما لا يفهمه. تبين الظرف وشرائع المروءة وحدود الأدب، فإنه لا أدب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا ظرف له، ولا ظرف لمن لا أدب له.
وقد وصفنا في كتابنا هذا على قدر ما بلغه علمنا. واحتوى عليه فكرنا وجعلناه حدوداً محدودة. ومعالم مقصورة. وشرائع بينّة. وأبواباً نيّرة. وشريطتنا على قارئ كتابنا الإقصار عن طلب عيوب أخطائنا. والصفح عن ما يقف عليه من إغفالنا. والتجاوز عن ما ينتهي إليه من إهمالنا. وإن أداه التصفح إلى صواب نشره. أو إلى خطأ ستره. لأنه قد تقدمنا بالإقرار. ولا بد للإنسان من زلل وعثار. وليس كل الأدب عرفناه. ولا كل
العلم دريناه. وعلينا في ذلك الاجتهاد. وإلى الله الإرشاد. وقلَّ ما نجا مؤلف لكتاب من راصد بمكيدة. أو باحث عن خطيئة. وقد كان يقال من ألف كتاباً فقد استشرف. وإذا أصاب فقد استهدف. وإذا أخطأ فقد استقذف. وكان يقال لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يضع كتاباً. وقال الشاعر في ذلك:
لا تعرضن للشعر ما لم يكنعلمك في أبحره جسرا
فلن يزال المرء في فسحةمن عقله ما لم يقل شعرا
وأنشد في ذلك:
الشعر عقل المرء يعرضهوالقول مثل مواقع النَّبل
منها المُقصِّر عن رميتهونوافذ يذهبن بالخصل
وكان يقال: اختيار الرجل وافد عقله، فقال: لا بل مبلغ عقله، وقيل: دلّ على عاقل اختياره؛ وقيل لبعض العلماء: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ وقال الخليل بن أحمد: لا يحسن الاختيار إلا من يعلم ما لا يحتاج إليه من الكلام؛ وقال الشعبي: العلم كثير، والعمر قصير، فخذوا من العلم أرواحه ودعوا ظروفه؛ وقال ابن عباس: العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه.
ونحن نستعين الله ونودع كتابنا هذا جملة من حدود الأدب والمروءة والظرف، ونجعل ذلك أبواباً مختصرة وفصولاً محبرة، على غير نقص منا لما في كل باب، لا يطول به تأليف الكتاب، ولأن غرضنا في الاختصار، لما عليه النفوس من ملل الإكثار، ولننجو من مقالة حاسد، أو اعتراض معاند، على أنه لا بد للحاسد وإن لم يجد سبيلاً إلى وهن. ولا سبباً إلى طعن. أن يحتال لذلك بحسب ما ركب عليه طبعه. وتضمنّه صدره. حتى يخلص إلى غفلة. أو يصل إلى زلة. فيتشبث بالمعنى الحقير. ويتسبب بالحرف الصغير. إلى ذكر المثالب. وتغطية المناقب. إذ من طبع أهل الحسد. وأرباب المعاندة والنكد. تغطية محاسن من حسدوه. وإظهار مساوئ من عاندوه. وقد أخبرني أبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، وبشر بن موسى بن صالح الأسدي قالا: حدثنا الأصمعي قال: حدثني العلاء بن أسلم قال: حدثنا رؤبة بن العجاج قال: قال لي فلان قصرت وعرفت، ثم قال لي: يا رؤبة عساك مثل أقوام إن سكت لم يسألوني. وإن تكلمت لم يعوا عني. قلت: أرجو أن لا أكون كذلك. قال: فما أعداء المروءة؟ قلت: تخبرني. قال: بنو عمّ السوء، إن رأوا خيراً ستروه، وإن رأوا شراً أذاعوه. أنشدني أبو العباس محمد بن يزيد المبرد:
عين الحسود عليك، الدهر، حارسةتبدي المساوئ، والإحسان تخفيه
يلقاك بالبشر يبديه مكاشرةوالقلب مضطغن فيه الذي فيه
إن الحسود بلا جرم عداوتهفليس يقبل عذراً في تجنيه
وأنشدني أبو جعفر في مثل ذلك:
إن يعلموا الخير يخفوه، وإن علمواشراً أُذيع، وإن لم يعلموا كذبوا
وأنشدني محمد بن إبراهيم القارئ:
وترى اللبيب مُحسداً لم يجترمشتم الرجال وعرضه مشتوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسداً وبغياً إنه لدميم
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
ما ضرني حسد اللئام، ولم يزلذو الفضل يحسده ذوو النقصان
يا بؤس قوم ليس جرم عدوهمإلا تظاهر نعمة الرحمان
وخبرت أن المنصور قال لبعض ولد المهلب بن أبي صفرة: ما أسرع الناس إلى قومك! فقال: يا أمير المؤمنين
إن العرانين تلقاها محسدَّة،ولا ترى للئام الناس حسادا
كم حاسد لهم قد رام سعيهم،ما نال مثل مساعيهم، ولا كادا
ويروى أن عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، كان يتمثل بهذين البيتين:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهمطابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
محسودون على ما كان من نعملا ينزع الله منهم ما له حسدوا
وأنشدنا أحمد بن عبيد قال: أنشدنا العتبي عن أبيه:
إني نشأت، وحسادي ذوو عدديا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
ما زلت أقدم أفراسي مكلَّمةًحتى اتخذت على حسادهن يدا
وأنشدت:
كلُّ العداوة قد ترجى إماتتها،إلا عداوة من عاداك من حسد
وبلغ محمد بن عبد الله بن طاهر أن قوماً من الموالي يحسدونه، فقال:
إن يحسدوني فإني غير لائمهمقبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم،ومات أكثرهم غيظاً بما يجد
أنا الذي يجدوني في صدورهملا أرتقي صُعداً منها ولا أرد
وقال أردشير بن بابك: كل خصلة رديئة، فهي دون الحسد، لأن الحسود يسعى على من أحسن إليه، ويبغي الغوائل لمن أنعم عليه. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً ذكر بعض الحساد فقال: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم ونفس دائم وعقل هائم؛ وقال حاتم طيء:
يا كعب ما إن ترى من بيت مكرمةإلا له، من بيوت الشر؛ حسادا
والتحرز من الحساد ما لا سبيل لنا إليه، والتحفظ من ألسنتهم ما لا نقدر عليه، لكن أقول كما قال الشاعر:
ما يضرُّ البحر، أمسى زاخراً،أن رمى فيه غلام بحجر
وأُصدّر كتابي هذا مستعيناً بالله راغباً إليه، بذكر الأدب وصفته. وما يحتاج الأدباء إلى معرفته. وأشفعه بأشياء يستحسنها الأديب. ويرغب في دراستها الأريب، وبالله التوفيق.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع