من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
والإغراء على مودة الخلان والرغبة في أهل الصلاح والإيمان
روي عن أبي هريرة: أن النبي، ﷺ، قال: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
وروي عن أبي عمرو العوفي قال: كان يقال اصحب من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سقطة سترها، ومن إن قلت صدق قولك، وإن أصبت سدد صوابك، ومن لا يأتيك بالبوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق.
وقال الفضل بن غسان البصري: كان يقال اصحب من ينسى معروفه عندك.
وروي عن معاوية بن قرة قال: نظرت في المودة والإخاء فلم أجد أثبت مودة من ذي أصل.
وأنشدونا لعمر بن عبد العزيز، ولا يعرف له غير هذه الأبيات:
إني لأمنح من يواصلنيمني صفاء ليس بالمذق
وإذا أخ لي حال عن خلقداويت منه ذاك بالرفق
والمرء يصنع نفسه، ومتىما تبله ينزع إلى العرق
ومثله قول زهير بن أبي سلمى:
وما يك من خير أتوه، فإنماتوارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطِّيَّ إلا وشيجه،وتغرس إلا في منابتها النخل
ومنه قول الآخر:
والابن ينشو على ما كان والده،إن العروق عليها تنبت الشجر
وقال المتوكل الكناني:
عندي لصالح قومي، ما بقيت لهم،حمد وذمّ، لأهل الذم، معدود
أجري على سنة من والدي سبقت،وفي أرومته ما ينبت العود
وأوصى بعض الحكماء أخاً له فقال: أي أخي! آخ الكريم الأخوة، الكامل المروءة، الذي إن غبت خلفك، وإن حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده، وإن لقي عدوك كفه، وإن رأيته ابتهجت، وإن أتيته استرحت.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: إذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فتشبث بها.
وكان سفيان الثوري كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:
أبل الرجال، إذا أردت إخاءهم،وتوسمن إخاءهم وتفقد
فإذا وجدت أخا الأمانة والتقىفيه اليدين قرير عين فاشدد
كم من صديق في الرخاء مساعدوإذا أردت حقيقة لم توجد
ومثل ذلك قول الآخر:
آخ من آخيت عن خبرته،لا يغرنك من الناس الطُّرر
لا ولا الأجسام ما لم تبلهم،إنما الناس كأمثال الشجر
منه ما ليست له منظرة،وهو صلب عوده حلو الثمر
وترى منه أنيقاً نبته،طعمه مرٌّ، وفي العود خَوَر
وقال آخر:
من حمد الناس، ولم يبلهم،ثم بلاهم ذم من يحمد
وصار بالوحدة مستأنساً،يوحشه الأقرب والأبعد
وروي أن رجلاً من عبد القيس قال لابنه: أي بني، لا تواخ أحداً حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استبطنت الخبر، ورضيت منه العشرة، فآخه على إقالة العثرة، والمؤاساة عند العُسرة.
وأنشدني محمد بن يزيد المبرّد:
وكنت، إذا الصديق أراد غيظيعلى حنق، وأشرقني بريقي
غفرت ذنوبه، وكظمت غيظي،مخافة أن أكون بلا صديق
وأنشدني لبشار بن برد العقيلي:
أخوك الذي لا ينقض، الدهر، عهده،ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
فخذ من أخيك العفو، واغفر ذنوبهولا تك في كل الأمور تجانبه
إذا كنت في كل الأمور معاتباًصديقك، لم تلق الذي لا تعاتبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وقال آخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه،وعن بعض ما فيه، يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثرة،يجدها، ولا يسلم له، الدهر، صاحب
وأنشدني أحمد بن يحيى لسعيد المساحقي:
فخذ عفو من أحببت لا تبر منه،فعند بلوغ العذر رنق المشارب
وقال أبو الأسود الدؤلي:
ولست مستبقياً أخاً لك لاتصفح عما يكون من زلله
من ذا الذي هُذبت خلائقهفي ريثه إن أتى وفي عجله
لا أصحب الخائن اللئيم، ولاأقطع وصل الخليل من ملله
أجزيه بالعرف، ما حييت، ولايعدم صفحي للشر من عمله
ومثله قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخاً لا تلمهعلى شعث، أي الرجال المهذب
وأجاد، والله، الذي يقول:
إذا ما أذاني مفصل فقطعته،بقيت وما لي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه، فإن صح كان لي،وإن هو أدوى كان فيه تحامل
وأنشدت لرجل من طيء:
أرخ على الناس ثوب سترهم،أو أجن حلو الثمار من شجره
واستبق ما لم ترد قطيعته،بستره ما استقر في ستره
فرب بادي الجميل منه، إذافُتش أبدى التفتيش عن عَوَره
واستصلح الناس، ما استطعت، ولاتسرع إلى ضرِّ مبتغي ضرره
وروي عن ابن عباس، ﵁، قال: أحب إخواني إليَّ أخ إن غبت عنه عذرني، وإن جئته قبلني. وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أوجب عليك حقاً؟ فقال: الذي يسدّ خلتي، ويغفر زلتي، ويقيل عثرتي.
وقال مطيع بن إياس:
إنما صاحبي الذي يغفر الذنب، ويكفيه من أخيه أقله
ليس من يظهر الخلالة إفكاً،وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يوم، ويوميضمر الهجر ثم ينبت حبله
وأحق الرجال أن يغفر الذنب لإخوانه الموفَّر عقله
وفي حديث سهل بن سعيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: المرء كثير بأخيه.
وكتب الأحنف بن قيس إلى صديق له: أما بعد فإذا قدم عليك أخ موافق لك، فليكن منك مكان سمعك وبصرك، فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف.
وقال خالد بن صفوان: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
وقال عمر بن الخطاب: عليكم بإخوان الصدق، فاكتسبوهم، فإنهم زين في الرخاء وعدّة عند البلاء.
وسئل بعض الحكماء: أيّ الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله فالأخ الصالح.
واعلم أن خير الإخوان من كانت أخوته ومحبته في الله، ولم تكن خلته ولا مؤاخاته لطمع قليل، ولا لغرض عاجل، وليس شيء بذوي العقول، وأهل الديانات والفضل، أفضل من إخلاص المودة في الله، ولعمري إن ذلك يحسن بجميع أهل الملل والأديان، وهو من أوثق عُرى الإيمان، وقد روي فيه أحاديث كثيرة اقتصرنا على بعضها، واختصرنا من أحسنها، وفي البعض كفاية، إن شاء الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع