من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ما يجب على الأدباء من الفحص والطلب
اعلم أن أول ما يجب على العاقل المنفصل بصفته عن الجاهل أن يتبعه ويميل إليه، ويستعمله ويحرص عليه، مجالسة الرجال ذوي الألباب، والنظر في أفانين الآداب، وقراءة الكتب والآثار، ورواية الأخبار والأشعار، وأن يحسن في السؤال، ويتثبت في المقال، ولا يكثر الكلام والخطاب، إن سئل عمّا يعلمه أجاب، وإن لم يسأل صمت للاستماع، ولم يتعرض لمكروه الانقطاع. فقد روي في الخبر المأثور أن النبي، ﷺ، قال: أغد عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا تكن الرابع فتهلك. والصمت أحسن بالرجل من الهذر في منطقه، والكلام فيما لا يعنيه، والتسرع إلى ما يكون على وجل منه. وقد قال بعض الشعراء:
يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسهوعثرته بالرجل تبرا على مهل
وقال أبو العتاهية:
إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزاًفأنت عن الإبلاغ في القول أعجز
يخوض أناس في المقال ليوجزواوللصمت عن بعض المقالات أوجز
وقال أيضاً:
قد أفلح الساكت الصموتكلام راعي الكلام قوت
ما كل نطق له جوابجواب ما تكره السكوت
وقال النبي، ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليسكت، وقال: من صمت نجا.
وكان أعرابي يجالس الشعبي يطيل الصمت، فقال له يوماً: لم لا تتكلم؟ فقال: أسمع لأعلم وأسكت فأسلم.
وقال أبو هريرة: ثمرة القلب اللسان. وقيل لعيسى بن مريم، ﵇: ما مبدى علم القلب وجهله؟ قال: اللسان. قال: فأين يلزم الصمت؟ قال: عند من هو أعلم منكم، وعند الجاهل إذا جالسكم.
وقال بعض الشعراء:
تعاهد لسانك إن اللسان سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد يدل الرجال على عقله
وقال آخر:
أستر النفس ما استطعت بصمت،إن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جواباًرب قول جوابه في السكوت
وقال أبو العتاهية:
لا خير في حشو الكلام إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتىمن منطق في غير حينه
وقال لقمان لابنه: يا بني إن غلبت على الكلام، فلا تغلب على الصمت،
فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. إني ندمت على الكلام مراراً ولم أندم على الصمت مرة واحدة. وقال إبراهيم بن المهدي في هذا المعنى فأحسن:
إن كان يعجبك السكوت فإنهقد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوتك مرةفلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربمازرع الكلام عداوة وضرارا
فحقيق على الأديب أن يخزن لسانه عن نطقه، ولا يرسله في غير حقه، وأن ينطق بعلم، وينصت بحلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يهجم على الخطاب. وإن رأى أحداً هو أعلم منه، نصت لاستماع الفائدة عنه، وتحذر من الزلل والسقط، وتحفظ من العيوب والغلط، ولم يتكلم فيما لا يعلم، ولم يناظر فيما لا يفهم، فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الانقطاع والاضطراب، وكان فيه نقصه عند ذوي الألباب. وقد قال الأعور الشني فأجاد:
ألم ترَ مفتاح الفؤاد لسانهإذا هو أبدى ما يقول من الفم
وكائن ترى من صامت لك معجبزيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومثله قول الأخطل أيضاً:
إن الكلام من الفؤاد وإنماجعل اللسان على الفؤاد دليلا
وأخبرني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان بكر بن عبد الله المزني يقل الكلام، فقيل له في ذلك، فقال: لساني سبعٌ، إن تركته أكلني، وأنشد:
لسان الفتى سبع عليه شذاتهفإلا يزع من غربه فهو آكله
وما العيّ إلا منطق متبرعسواء عليه حق أمر وباطله
قال أبو الطيب قوله: شذاته، أي حده، وقال بعض الحكماء: الزم الصمت تعد حكيماً كنت أم عليماً؛ وقال الهيثم بن الأسود النخعي:
من يستعن بالصمت يوماً فإنهيقال له لبُّ نهاه أصيل
وإن لسان المرء ما لم تكن لهحصاة، على عوراته، لدليل
وكان يقال: الصمت صون اللسان وستر العي. أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب للخطفى بن بدر:
عجبت لإزراء العييّ بنفسه،وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعيي، وإنماصحيفة لبّ المرء أن يتكلما
والعرب تقول: عَيٌّ صامت خير من عَيٌّ ناطق. وكان ربيعة الرأي كثير الكلام، فتكلم يوماً، وأكثر ثم قال لأعرابي عنده: أتعرف ما العي؟ قال: نعم، ما أنت فيه منذ اليوم. وقال أكثم بن صيفي: حتف الرجل بين لحييه؛ وأنشدني أحمد بن عبيد لأبي محمد اليزيدي:
حتف امرئ لسانهفي جده، أو لعبه
بين اللَّها مقتله،ركب في مركبه
ورب ذي مزح أُميتت نفسه في سببه
ليس الفتى كل الفتىإلا الفتى في أدبه
وبعض أخلاق الفتىأولى به من نسبه
وكان يقال: لسانك عبدك، فإذا تكلمت صرت عبده. وقال بعض الحكماء: أنا بالخيار ما لم أتكلم، فإذا تكلمت صار الكلام علي بالخيار. وقال آخر: لساني في حبس بدني ما لم أطلقه على نفسي، فإذا أطلقته صار بدني في حبس لساني. وقال آخر: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها. وقال الشعبي: أنا على اتباع ما لم أوقع أقدر مني على ردّ ما أوقعت. وتكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات، خرجن كلهن بمعنى. فقال كسرى: أنا على قول ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل، فإنما أندم على ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، ولم أملكها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن حكيت عنه ضرته، وإن لم تذكر لم تنفعه. وقال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه،فليس على شيء سواه بخزان
وقالت الفلاسفة: اللسان خادم القلب. وقالت العلماء: اللسان كاتب القلب، إذا أملى عليه شيئاً أتى به. وأنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
رأيت لسان المرء راعي نفسه،وعاذره إن ليم، أو زل سائره
فمن لزمته حجة من لسانه،فقد مات راعيه وأفحم عاذره
ولئن كان السكوت جميلاً، لقد جعل الكلام جليلاً، ما لم يتعد المتكلم في
كلامه، ويتجاوز في الكلام حدّ نظامه. وقد أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
ما في الكلام على الأنام أثام،بل فيه عندي النقض والإبرام
لولا الكلام لما تبينا الهدى،وتعطلت في ديننا الأحكام
فزن الكلام، إذا أردت تكلما،ودع الفضول، ففي الفضول ملام
إن أنت لم ترشد أخاك، إذا أتى،فعليك منه هجنة وأثام
والنطق أفضل من صمات متهم،جاء الكتاب بذاك، والإسلام
هذا البيان، فلا تكن متمارياً،فالصمت عيٌّ، والكلام نظام
وليس بعيب على الأديب، وإن كان مستقلاً بما لديه، استخذاؤه للمتقدم في العلم عليه، ولا في سؤاله فيما غُيبت معرفته عنه، من هو أعلى درجة في العلم منه. وأنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
تمام العمى طول السكوت، وإنماشفاء العمى يوماً سؤالك من يدري
وروى أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا ابن عبد المطلب! ماذا يزيد في العلم؟ قال: التعلم. قال: فماذا يدل على العلم؟ قال: السؤال.
أنشدني أحمد بن عبيد قال: أنشدني ابن الأعرابي لبشامة بن عمرو المرّي:
إذا ما يهتدي لبي هداني،وأسأل ذا البيان، إذا عميت
وأجتنب المقاذع حيث كانت،وأترك ما هويت لما خشيت
وكان يقال: من رق وجهه عن السؤال دق علمه، ومن أحسن السؤال علم. وقال الشاعر:
إذا كنت في بلدة جاهلاً،وللعلم ملتمساً، فاسأل
فإن السؤال شفاء العمى،كما قيل في الزمن الأول
وروينا عن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يتعلم من استحيا وتكبر. وقال رجل من بني العباس للمأمون: أيحسن بمثلي العلم اليوم؟ فقال: نعم والله لأن تموت طالباً للعلم أزين بك من أن تموت قانعاً بالجهل. فقال: إلى متى يحسن بي، وقد جاوزت الستين! قال: ما حسنت بك الحياة. وقال الخليل: ذاكر بعلمك فتذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك. وقال الخليل أيضاً: كنت إذا لقيت عالماً أخذت منه وأعطيته. وأخبرني أحمد بن عبيد قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: أخبرنا أزهر السمان قال: قال الزهري: الأخبار ذكران لا يحبها إلا ذكران الرجال، ولا يكرهها إلا مؤنثوهم. وقال الطرماح:
ولا أدع السؤال، إذا تعيتعليّ، من الأمور، المشكلات
وينفعني، إذا استفتيت علمي، وأقوى الشك عندي البينات
فهذه جملة تحث الأدباء على الطلب، وصدر يقنع به العقلاء من حدود الأدب. ومنه أيضاً ترك ممازحة الإخوان، إذ كان مما يوغر صدور الخلان، وقد اختصرت لك من ذلك جملة مقنعة، وألفاظها ممتعة، فيها لك كفاية، ولذوي الألباب نهاية، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع