تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

النهي عن استعمال الإفراط في حب الصديق

روي عن بعض الحكماء أنه قال: لا يفرط الأديب في محبة الصديق، ولا يتجاوز في عداوة العدو، فإنه لا يدري متى تنتقل صداقة الصديق عداوة، ولا متى تنتقل عداوة العدو صداقة.

وحكي عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أنه قال: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.

وروي عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه قال: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً.

ومن أمثال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة للملال. قال أبو عبيدة: يريد أن الاقتصاد أدنى إلى السلامة.

قال أبو زيد: من أمثالهم: لا تكن حلواً فتُسترط ولا مراً فتعفى أي تلفظ من المرارة.

زمثله قول مطرف بن الشخير: الحسنة. بين السيئتين، وخير الأمور أوسطها.

وكان يقال: لا تهذر في منطقك، ولا تخبر بذات نفسك، ولا تغتر بعدوك، ولا تفرط في حب صديقك، ولا تفزع إلى من لا يرحمك، ولا تألف من لا يرشدك، ولا تبغض من ينصح لك، فإن شر الأخلاق ملالة الصاحب، وتقريب المتباعد.

وأنشدني أحمد بن يحيى للمقنع الكندي:

وكن معدناً للحلم، واصفح عن الأذىفإنك راءٍ ما علمت وسامع
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وكن معدنا للحلم واصفح عن الأذى»
وأحبب، إذا أحببت، حباً مقارباً،فإنك لا تدري متى أنت نازع
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وكن معدنا للحلم واصفح عن الأذى»
وأبغض إذا أبغضت غير مباعد،فإنك لا تدري متى أنت راجع

وأنشدني أحمد بن يحيى لسعيد المساحقي:

فهونك في حب وبغض فربمايُرى جانب من صاحب بعد جانب

وسمعت عبد الله بن عبد الله بن طاهر ينشد هذين البيتين، وأحسبهما له:

إذا أنا أكرمت اللئيم، فعدنيمهيناً له، حققت باطل ما عدَّا
فإن صلاح الأمر يرجع كلهفساداً إذا الإنسان جزت به الحدَّا

وهذا طويل يقنعك منه القليل. وأما طول الزيارة، فقد يجب على أهل الصداقة ترك المداومة عليها، وكثرة الجنوح إليها، فإن ذلك يخلق الحب، ويذهل الصبّ، ويُضجر

المَزورَ، ويُعدم السرور، ويُوقع البدل، ويبدي الملل. وقد شرحنا في ذلك باباً، فاعرفه وقف عليه، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموشى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.