تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

العامرية ووفاؤها

ومن حُسن وفائهن أيضاً ما رواه الهيثم بن عَديّ، فإنه كان في بني عامر بن صعصعة امرأةٌ توفي عنها زوجها، ولها ابنا عمّ، فصارا إلى بعض شيوخهم، فقالا له: فلانة جاريةٌ شابةٌ، والقالة إلى مثلها سريعةٌ، فوجّه إليها فلتحضرْ، واعرِض عليها أيّنا أهوى إليها، حتى يتزوجها. فوجه الشيخ إليها، فأتته، فعرض عليها مقالتهما. فأطرقت مليّاً تنكُتُ الأرض، حتى حفرت فيها حفيرةً، وملأتها من دموعها. وكان زوجها دُفن بمقبرةٍ تدعى بحَوضى، فالتفتت إلى ابني عمها، وأنشأت تقول:

فإن تسألاني عن هواي، فإنهرهينٌ بحوضى، أيها الفتيانِ
وإني لأستحييه، والموت دوننا،كما كنتُ أستحييه حين يراني
أهابك إجلالاً، وإن كنتُ في الثرىلوجهك يوماً إن يسؤْكَ مكاني

وقامت فانصرفت. فقال: قد رأيتما وسمعتما. فانصرفا، وقد يئسا، ثم لقياها يوماً في المقابر وعليها مُصبَّغاتٌ وحلىً وحُللٌ، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى في أي زيّ خرجت، والله ما أراها إلا متعرّضةً للرجال، هلمّ فلننظر ما تصنع. فقربا منها، فأتت القبر فالتزمته، ثم أنشأت تقول:

يا صاحب القبر يا من كان يؤنسيوكان يُحسن في الدنيا مؤاتاتي
أزور قبرك في حَلْيٍ وفي حُلَلٍ،كأنني لست من أهل المصيبات
أتيتُ ما كنتَ من قُربي تحب، وماقد كان يلهيك في ألوان لذّاتي
ومن يراني يرى عَبرى مفجَّعةً،طويلة الحُزن في زُوّار أموات

ثم شهقت فماتت.

ومثل هذا وأشباهه من الوفاء قليل في النساء وهو من وفاتهن عجبٌ، والغدر عليهن أغلب، إذ على ذلك طبع خلقهنُ، وعليه جُعلت بنيتهنّ. وسأصف لك جملة من مكرهنّ لتقف به على غدرهن، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله.

" بسم الله الرحمن الرحيم " لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الحمد لله رب العالمين وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فإنه قد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب أشياء من عيون فنون الأدب يرغب فيها ذوو الحِجى وينتهي إليها ذوو النُّهى، وقد مضى من الجدّ عدة أبوابٍ فيها مقنَعٌ لذوي الألباب، ولا بد من خلطها بشيء من الهَزل، إذا في ذلك ترويحٌ لقلوب ذوي العقل.

وآخر ما ذكرنا في الجزء الأول ذكر الوفيات من النساء، وأنا أُتبعه في هذا الجزء بباب ذكر ذوات الغدر من الإماء ثم أصله بما يتصل، وأفصله من حيث ينفصل، إن شاء الله وبه القوة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ما جاء فيمن تعفف في محبته ورعى عقود عهود مودّته

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.