تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

صفة ذم القيان ونفوذ حيلتهن في الفتيان

اعلم أنه لم يُبتلَ أحدٌ من أهل المروءات والأدب، وأهل التظرُّف والأرَب، ولا امتُحن سَراة الفتيان ببليّة هي أعظم من هوى القيان، لأن حبهن جب كذوبٌ، وعشقهن عشق مشوب، وهواهنّ منسوبٌ إلى الملل، ليس بثابتٍ ولا متّصلٍ، وإنما هو لطمعٍ وعرَضٍ، وهنّ سريعات الغرض، يُستدلّ على ذلك بأفعالهن الردية، وأخلاقهن السيئة، وأنهن لن

يقصدن إلا أهل النشث، ويُصدُفن عن ذوي الحسب، وأن محبّتهن تظهر ما ظهرت علامات اليسار والمال، وتنتقل عند الإفلاس والإقلال. وليس إظهارهن للمحبة مما ينعقد عليه منهن ذوو الآداب، ولا بما ينخدع به لهن ذوو الألباب. وكل ذلك منهن غرورٌ، وخداع وزور، ولا مرجع له ولا محصول، وإنما أمرهنّ عند ذوي الجهالة مجهول. وما رأيت لكثيرٍ من الأدباء الذين سلكوا سبيل التشبيث بالنساء، رغبةً في تعشُّق الإماء، وقد أنشدني بعض الظرفاء:

ليس عشقُ الإماء من شكل مثلي،إنما يعشق الإماء العبيدُ
صِلْ، إذا ما وصلتَ، حُرّة قوم،قد حماها آباؤها والجدود

ومن أدلّ الأشياء على خُبث سرائر الإماء أن الواحدة منهن، إذا رأت في مجلس فتىً له غنىً وكثرة مال، ويسار وحسن حال، مالت إليه لتخدعه، وأقبلت عليه لتصرعه، ومنحته نظرها، وأبدته بصرها، وغمزتْه بطَرْفها، وأشارت إليه بكفها، وغنّت على كاساته، ومالت إلى مَرضاته، وشربت من فَضلة كأسه، وأومأت إلى تقبيل رأسه، حتى تُوقِع المسكين في حبالها، وترهقه باحتيالها، وتُعلّق قلبه بحبها، وتُطعمه من قربها، وتحويه بلطف تملُّقها، وتستبيه ببديع تقنُّعها، وبالمكر والخداع، وتطلُّبها للاجتماع، وتباكيها لفرقته، وتحازنها عند روحته، ثم ترسل بالرسل، وتُعاديه بالخَتل، وتخبره عن سهرها، وتُنبئه عن فكرها، وتشكو إليه القلق وتُخبره بالأرق،

وتبعث إليه بخاتمها، وفضلةٍ من شعرها، وقُلامةٍ من ظفرها، وشظيّة من مِضرابها، وقطعةٍ من مِسواكها، ولُبانٍ قد جعلته عوضاً من قُبلتها، ومُضغةٍ لتخبره عن نكهتها، وكتابٍ قد نمّقته بظَرفها، وطيّبته بكفها، وسَحته بوترٍ من عودها، ونقّطت عليه قطراتٍ من دمعها، وختمته بغاليةٍ قد عُدّل بالعنبر متنها، واستمسك تحت الخاتم عجنها، وطبعت عليه بفَصّ قد نقشت عليه مداعبتها، وتمثّلت عليه ببعض مَجانتها، وضمّنت الكتاب شكوى شوق مريضٍ، وصفة شوق ممرِّض، تسأله المؤاتاة على حبها، والإعانة على كربها، وأن يبعث يطلب زيارتها، لتقرّ بالنظر إليه عينها، وينفرج عنها حزنها، فيُطمع الغمز في قربها، ولا يشَّ في الكلام في إخلاص حبها، فيميل إليها بودّه، وتُصفيه بمكنون حبه، حتى إذا حوت عقله، وصارت شغله، واستمالت لبّه، وسلبت قلبه، واستمكنت من قربه، ووثقت بصحيح حبه، وعلمت أنه غريقٌ في بحر البلية، أخذت في طلب الهدايا السرية، وتشهّت الثياب العَدَنية، والأزر النيسابورية، والأشقاق الأنجاجية، والأردية الرشيدية، والعمائم السوسية، والشكك الإبريسمية، والخفاف الرُّنانية، والنعال الكَنباتية، والحلق المحشوية، والعصائب المرصّعة، والدَّستينجات المفصّلة، وخواتيم الياقوت المُثمِنة، وتمارضت من غير سقم، وشكت من غير ألم، وفُصدت من غير علة وداء، وتعالجت من غير حاجة منها إلى الدواء، لتجيشها هدايا ذوي الوَجد، في المرض والفصد، من القُمُص

المعنبَرة، والغلائل الممسَّكة، والأردية المرشوشة، واللخالخ المعجونة، ومخانق الكافور المنظومة، ومراسل القرنفل المخمّر، والمسك الأذفر، والعنبر الأشهب، والعود الهندي، والنَّدّ الخَزائني، والماورد الجوري، والحُملان الحَوْلية، والجداء الرُّضَّع، والبطّ الصيني، والفراريج الكسكرية، والدجاج الفائق، والفراخ المسمَّنة، والنبانيج المنضَّدة بأنواع الرياحين والفاكهة، يتبعها صنوفٌ من الشراب المعسَّل، والدوشاب المطبوخ والمشمَّس، ونبيذ السكر والقِشمِش، ثم الدنانير الجُدد الشهرية، والدراهم المسيَّفة الداريّة، في خرائط الديباج الإبريسَمية، ومناديل الوشي الأنجمية.

فلا تزال في هدايا متواترة وألطاف متتابعة، وفي خلال ذلك العيدان العَرْعر الموزونة، والمضار بالمدهونة، والأوتار الصينية، حتى إذا نفذ اليسار، وذهب الإكثار، وأُتلف المال، وجاء الإقلال، وأحست بالإفلاس، وتفريغ الأكياس، أظهرت الملل، وأعلنت البدل، وتبرّمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وطلبت عليه العلل، وتفقدت من الزلل، وتتبّعت عليه سقطاته، وتيمّمت عثراته، وأخذت في الجَفاء والعِتاب، والقِلى، والإبعاد، وصرفت عنها هواه، ومالت إلى سواه، ونفرت بعد القرب، وأبغضته بعد الحب، فحينئذ يُدرك المغرور الندم، ويلحقه الأسف، حين لا تغني عنه الحيلة ولا يُجدي عليه اللهف، ويقع بيت ليت ولو وهيهات ولات حين مَناص، ولا يقدر على استئناف ما سلف من الأيام بعد الإشراف على ورود حياضِ الحِمام، وقد أنشدني بعض الأدباء لبعض المحدثين:

صحوتُ فأبصرت الغَواية من رُشدي،وأيقنتُ أني كنت جُرْتُ عن القَصدِ
فلا يعشقَنْ من كان يعشق قينةً،فما هو منها في سعيدٍ ولا سعدِ
تودُّك ما دامت هداياك جمّةً،وترفدك عِشقاً ما غَنيتَ أخا رفدِ
إذا ما رأت في مجلسٍ من تخالهغنيّاً، حَبَتْه بالتحية والودّ
وغَنّت على أقداحه كل ما اشتهى،وقالت له: ما تريد أنا أفدي
وتومي إليه اشربِ الرطلَ واسقني،فقد حُزتَ قلبي واشتملتَ على وُدّي
فيمتلئ المغرور، عند مَقالها،سروراً يرى أن المقال على جدّ
فإن جاء وقت الانصراف تحازنتلفُرقته، حتى يقوم على وعْدِ
ويغدو إليه في الفراش رسولهاتُسائله: ما كان حالُك من بعدي
ويا ليت شعري كيف بتَّ فإننيرعيتُ نجوم الليل كفّي على خدّي
فلا يجد المغرور من دفعِ جُدْرهاسروراً بتعجيل الزيارة من بُدّ
وتُسرع في إتيانه ليظنّهاحَبَته بتعجيل المجيء على عَمدِ
فإن هي جاءت عانقته، وقبّلتيديه، وأبدت فرحةً قلّ ما تُجدي
وتخدمه عمداً، فإن قال: إنهليحزُنُني أن تصنعي هكذا عندي
تقول له: ذا البيت بيتي، وإنماأُؤمِّل أنْ يبتاعني سيدي وحدي
فتصبيحَ عيني بالوِصال قريرةًوآمنَ من سَومِ التفرّق والبُعدِ
فذا دأبها، حتى يعود من الهوىسقيمَ فؤادٍ ما يُعيد ولا يُبدي
فتُفصد لا مِنْ حاجةٍ لفِصادها،ولكن لتكليف الهديّة في الفَصد
فمن بين خَلخالٍ يُصاغ وخاتمٍ،ومن دُمْلُج يُهدى على أثر العِقدِ
ومن ثوبٍ خزٍّ بعد وشيٍ ومُلْحَمٍ،ومن مُصْمتٍ يُشرى على أثر البُرد
ويا لك من مِسكِ ذكيٍّ وعَنبرٍ،وعودٍ، وكافورٍ نقيٍّ، ومن نَدّ
فذا فعلها، حتى إذا عاد مُفلساًتجنّت، وأبدت جانب الهجر والصَّدّ
فقولا لمن يخوى القيان تفهّموامقالي، فإني قد نصحتُ لكم جَهدي

وأنشدني بعض المحدثين لنفسه:

يا صاح إن القِيان للغَمَر الغِرّ شباكٌ يَصدنَ بالمَلَقِ
يهوين هذا، ويشتكين لذاوجداً ويرمقن ذاك بالحَدَقِ
حتى إذا ما اقتنصْن ذا حُمقٍ،مستهتراً واستمال للوَمَق
نفضْنه، واستلخْنَ جِلدتهسلخاً بطيب الدلال والفَنَق
وصار كالآس في غَضارتهصِفراً، بلا طارفٍ من الوَرَق
ناولنه المِسحَ ثم قُلن له:جئنا به في البياض كاليَقَقِ

وأنشدني بعض الكتّاب لفضل الشاعرة:

يا حَسَن الوجه، سيِّء الأدب،شِبتَ، وأنت الغلام باللعب
يا ويك إن القيان كالشَّرك المنصوب بين الغُرور والعَطَب
لا يتصدّين للفقير، ولايَرمقن إلا معادن الذهب
يلحظن هذا وذا وذاك وذا،لحظَ محبٍّ بطَرف مكتسِبِ
بينا تشكّى إليك، إذا خرجتمن زَفَرات الشكوى إلى الطَّلَب

وأنشدني أحمد بن غزال لنفسه:

إذا تعرّضتَ للقيان،فمثّل الفقْرَ بالعِيان
واعزم على فلسةٍ أسافاً،امض من طعنة السنان
كم من تُراثٍ ومن تليدٍوطارفٍ وادّخار تانِ
أتلفه مُتلِفٌ عليهم،بالجَذر والبذل والتواني
ما زال يصبو إلى خَلوبٍ،تغنى به فوق كل غانِ
اتخذَته عشيق مالٍ،أضحت تهاواه باللسان
حتى إذا اختلّ ثمّ حسّتبفقد فِعلاته الحِسان
غنّته صوتاً لها عتيداً،مُصرِّحاً ليس بالمعاني
قد نَفِذ الكيسُ، فاسلُ عني،واشتقْ، إذا اشتقتَ، بالأماني

وأنشدني أيضاً:

ومُسمِعةٍ غنّت، فمِلتُ بمهجتيإليها لألهو، والمُزاج بسيطُ
فقالت: على اسم الله ثِقْ بمودّتيوصافِ كما صافى الخليط خليط
فأعرضتُ عنها وانقبضتُ كأنماعَلَتني لديها نَعسةٌ وغَطيط
فقالت، وقد أخجلتها لتغرّنيورقة فهمي بالقيان محيط:
أراكَ نشيطاً للسماع تحبه،ولستَ إلى غير السماع نشيطُ
فقلت: تُراني، ويكَ، أعشق قينةًلها كل يومٍ صاحبٌ ورَبيطُ
إذا خرجَت من مجلسٍ، وتبدّلتسواه بديلاً أوّلون نَبيطُ
وإن ذُكروا قالت ومن كان حائكٌ،وأخر منكود المعاشِ يَخيطُ
لعمركِ ما تهوين إلا دراهماً،ومن دونها حَزْمٌ عليّ سَليطُ
وإني، ورب البيت، والله راحم،أفكّر فيه هل هواه قميط
بعيني لينجُ قبل يَنفُضَ ريشه،وقبل يراه الناس، وهو سقيطُ
هو أنا هوىً يزوي عن المرء نِعمةً،ويَترك ربَّ القوم وهو حَطيط
فيعشقنا من في يديه بضاعةٌ،سفيفٌ، إذا بان الرجا، وشَريطُ

وقال أيضاً في قصيدة له:

حتى إذا صارت ولّت الدراهم غنّتهـ وقد أزمعتْ على الانقطاع
أُسلُ عني، فلستُ أصلح للضيق، ولا يَحسُنُ الهوى بالجِياعِ
عندنا يأكُلُ المفرِّط كفّيهـ ويأوي إلى أخسّ البِقاع

وأنشد للحَكَمي في مثل ذلك:

قولا لمن يعشقه قينةٌيستفّ حُزناً قبل إفلاسه
فقد ثوى في كفّها نيّةٌمُسرعةٌ في قَلع أضراسه
تواصلُ العاشقَ، حتى إذاما أخذ العشق بأنفاسه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قولا لمن يعشق قصرية»
ولّت بغدرٍ، وقُرونُ الفتىتهتزّ بالكَشْخِ على رأسه

ومن أحسن ما قيل في ذلك قول الشاعر:

ما للأحبة في التخشُّع عارُ،فاخشع وإن حافوا عليك وجاروا
سقياً ورعياً للذين تحمّلوا،ونأوا، وما شُدّت لهم أكوار
لكنّهم غدروا بعهدك في الهوى،وأخو القَطيعة جائرٌ غدّارُ
ما إن يُلبوا إن جَفوكَ وعرَجوانحو المدينة أوطنوا، أو ساروا
لا بل أشدهما عليك مصيبةًأنْ يفعلوا بك إذ هُمُ حُضّار
لا تعتبنّ على القيان، ولا علىزهو القيان، فإنهن تجار
قدّمْ لهنّ مَلاهياً ومَضارباً،ومَلاوياً يحظى بها الزُّوّار
إن كنتَ صاحب لُطفةٍ وهديةٍ،فلك الهوى منهنّ والإيثار
أو كنت صاحب كيف أنت؟ ومرحباً!فارحل فعيشُك عندهنّ بَوار
لا بدّ من شيءٍ، وإلا لم يكنلك ثم إقبالٌ، ولا إدبار
لو كنتَ يوسُفَ في الجمال، فإنهما مثله في حُسنه ديّارُ
ثم امتنعتَ من الهديّة أنكروامنك الذي لا يُنكر الأحرارُ
عندي من الفتيات خبُرٌ بَيّنٌ،ومن الهديّة مُسنَدٌ آثار
زار ابنُ أحمر ذات يومٍ قَينةً،في فتيةٍ لهمْ ندىً ووقار
حتى إذا غنّتهمُ وسقتْهُمُ،وتجاوبت في كفّها الأوتارُ
قالت لأولهم: أما لك ضيعةٌ؟فأجابها: إني فتىً سمسارُ
قالت: فأهد لنا إزاراً معلَماً،فأبو فلانٍ ما عليه إزار
ثم انثنت لسؤال آخر منهمُ:أصدق! فقال مجيبها: عطّارُ
قالت: فليس يهمُّنا ما زرتناأدهاننا والقِسط والأظفار
وإذا ابن أحمر قد أعدّ جوابهاحذر السؤال كأنه قَسطار
ثم انثنت لسؤاله، فأجابها:لا سوق لي، لكنّني حفّار
فإذا هممْتَ بحفر قبرك، فابعثيبقُضيِّبٍ كي أعرف المقدار
فتلجلجَتَ خجلاً، وطاطت رأسها،وأصابها عند الجواب حصار
وكذا القيان، ولا أقول جماعةً،فالناس في أخلاقهم أطوار

ولابن أحمر أيضاً:

عذّبني ذو الجلال بالنار،إن هام قلبي بذات أُسوارِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
ولا تعشّقت قينةً أبداً،حتى تراني رهين أحجار
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
كم من غنيٍّ تركْنَ ذا عَدَمٍأورثته الذلّ بعد إكثار
سلبن منه الفؤاد بالنظر الرطب، وغنجٍ وغمزِ أبصار
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
وبالتشاجي أتْلَفن مهجته،وحُسنِ لحنٍ وقرع أوتارِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
حتى إذا ما مضت دراهمهوصار ذا فكرةٍ وتسهار
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
ناولنه المسح ثم قُلن له:بيِّضه بالنهر بشّارِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
فلا تغُرنّك قينةٌ أبداً،ودعْ وِصال القيان في التار
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»
فليس في الغدر عندهنّ إذاهوين أو شئن ذاك من عارِ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عذبني ذو الجلال بالنار»

وأحسن ابنُ الجهيم حيث يقول:

فأطلق يداً في بيته بتفضُّلِ،وعَدِّ عن المولى، وما شئت فافعلِ
أشِر بيدٍ واغمز بطرفٍ ولا تَخَفْرقيباً، إذا ما كنت غير مبخَّلِ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
وولّ عن المصباح، والحَ، وذمّهُ،فإن خمد المصباح، فادنُ وقبِّلِ
وسل غير ممنوعٍ وقلْ غير مسكَتٍ،ونم غير مذعورٍ وقُم غير معجَلِ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
لك البيت ما دامت هداياك جمَّةً،وكنتَ مليّاً بالشراب المعسَّل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
تُصان لك الأبصار عن كل نظرةٍ،ويُصغى إليكم بالحديث المقاقَلِ

واعلم أنه لا وفاء لهن، ولا حفاظ عندهن، ولا يدُ من على ودّ، ولا يفينَ لعاشقٍ بعهد، وهواهن مشتركٌ، وحبهن مقتسَمُ. وقد أنشدني بعض الأدباء:

استخبرا زينبَ عن قولهافي رجلٍ يعبُدُ ربّيْنِ
أذاك منه حسنٌ جائزٌ،أم ليس يرضى الله دينين
حسبك يا زينبُ من هُجنةٍ،يُستزرق الدهر على اسمين
فلا تُريدي جمع هذا وذا،فالغمد لا يجمع سيفين
وأنشدي الأمر إلى واحدٍ،ولا تكوني ذات بعلين
لا يحمل المنبر ردفاً، ولايصلح مِلكاً بين اثنين
وعادة السوء، إذا استحكمتعلى امرئٍ شرٌّ من الدين
لستُ، وإن كان الهوى غالبي،أقنعُ بالشين على الشين
يحلُبُ غيري، وأكون الذييرضى من العَنز بقرنين

وأحسن أبو ذؤيب حيث يقول:

تريدين كيما تجمعيني وخالداً،وهل يُجمع السيفان ويحك في غمد
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»
وكنتِ كرقراق السراب، إذا جرىبقومٍ، وقد بات المَطيُّ بهم تخذي
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»

وقال آخر:

ألا يا عاشق القينات جهلاً،أردتَ بأنْ تكون أبا البُغولِ
أترضى للهوى من ليس يرضى،على ضيق الهوى، ألْفيْ خليلِ؟

ولي سهوى القيان بمحمودٍ عندي، ولا عند ذوي الأدب، وأهل النُّهى والأرَب، ولا لأكثرهم ميلٌ إليه، ولا حرصٌ عليه، وإن كان قد أنشدني صديقٌ لي قوله فيهن:

زعموا خلّة القِيان غُرورُ،كلُّ زعمٍ من المقالة زورُ
قسماً لَلْقيانُ بالعهد أوفىمن جوارٍ تضُمّهنّ الخُدور
إنما زخرف المفاليس هذاحين قلّت صحاحُهمْ والكسور
أهل هذا الزمان أطرى من الآس، وكلُّ مموَّهٌ، مستورُ

واحتجّ في ذلك بأنّ هوى القيان، على ما فيهن من العيوب، أسرع إلى النفوس، وأوقع في القلوب، وأعْلَقُ بالأرواح، وأخلقُ للنجاح، وهن أقرب أملاً، وأقلّ عللاً، والظفر بهنّ أسرع من الظفر بربّات الخدور، والمحتجبات وراء الستور، وأنهن مزوراتٌ، وأولئك معدومات،

وزعم من طلب القينة الجَدْوَ لمولاها من عشقها وكثرة مؤونتها عليه، وطلبها لِما لديه ومسألتها الهدايا، واللُّطَفَ، والبرّ، والتحف، إنما هو من رغبتها في هواه، وميلها إلى رضاه، ولأنها تؤثره على العالمين، وتشتهي قربه دون سائر المحبين، لأنه إذا وافى جدوها من عند عشيقها مع تتابع ألطافه، وكثرة برّه وإسلافه، رغب المولى في صفائه، وطمع في استصفائه، فأخْلاها معه الأيام الكثيرة، والليالي المتتابعة؛ فهذه جملةٌ من القيان لمن عشق، ورغبةٌ فيمن ومَقَ، وليس ذاك عندنا كذلك، وإنما هي حيلة ممن احتجّ لهنّ بالوفاء، وهم معروفاتٌ بالغدر والجفاء، ولو كان ذلك كما زعموا، لم تتغير له عند اختلاله ولا قلَتْه عند إقلاله، بل كان يكون منها عند ذلك الإسعاف على هواه، والمؤاساة في نفسها في الحياة، ولكن هو كما قال المؤمَّل بن أميل:

والغانيات كذاك هن غوادرٌأبداً، حبالُ وصالهنّ تُجذَّمُ
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة
يخلبن بالنظر الفتى، ويَعِدنهنيلاً، ودون عداتهنّ الأنجمُ
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة

وكما قال بشار بن بُرد:

فوالله ما أدري، وكلٌّ مصيبةٌ،بأي مكيداتِ النساء أكاد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فوالله ما أدري وكل مصيبة»
غُرور مواعيدٍ كأنّ جَداءهاجَدى بارقاتٍ مُزْنُهنّ جَمادُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فوالله ما أدري وكل مصيبة»

ومع ذلك، فلا نفاق للشيوخ عندهن، ولا لذوي القبح والعُدْم مطمع لديهن، على أنهن يحتملن القبح والشيب مع اليَسار، ويكرهنهما مع الفقر والإقتار، فإذا اجتمع القبح والشيب مع الإفلاس في أي إنسان كان من الناس، فليس عندهن مطلب، ولا لديهن سببٌ، ولذلك قال العَطَوي:

تاهت عليّ بحُسنها وجمالهاوتقول لي: يا شيخ أنت مخادِعُ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
شيخٌ، وإفلاسٌ، وقُبحٌ ظاهرٌ،أطمعتَ فينا؟ أخْلفَتْكَ مطامعُ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فأجبتها: الإفلاس يُذهبه الغِنىوالشيب يُذهبه الخِضاب الناصع
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
قالت: فقبحُ الوجه فيه حيلةٌ؟والقُبح ليس له دواءٌ نافعُ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
يا صِدقها ما كان أوضح حُجّتي،لو كان يَدفع قُبحَ وجهي دافعُ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة

وقال بعض الأعراب:

طويلاتُ أعناقٍ، سِباطٌ أكفُّها،رقيقاتُ أوساطٍ نِبال المآكمِ
تأزّرْنَ رَملاً، وارتدين بحُلّةٍمن الروض، ريّا زهرها جِدُّ ناعمِ
وتَصرِفُ وُدّي نحوهن صبابةٌ،ويصرِفن عنّي الوجه نحو الدراهم

ومثل ذلك ما رُوي عن نُصَيب أنه قال: لَقيتني بالطواف امرأةٌ دَحْداحة، مزّاحة، فقالت: أأنت نُصَيب؟ فقلت: نعم! قالت: ألستَ القائل:

إذا البيضُ لا يأتين في الحبّ رقةً،يُعابُ، ولا يأخُذنَ في الودّ درهما
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اذا البيض لا يأتين في الحب رقة»
وإذاْ هنّ يُدنين الكريم بوُدّهلهنّ، ويرفُضْن الدقيق الملَوَّما

قالت: لا أراك تكتب إلاّ درهمك فاغضض ببَظْر أمّك! من أين تمتشِط إحدانا إذن؟ وأنشدني بعض الأدباء:

وإذا قلتُ لها: جُودي لمنقد براه الحب، قالت لي: أجلْ
أنت صرّافٌ، فآتيك له،أم بكفّيك نقودٌ تُحتملْ
قلت: ما تهوين إلا موسِراً،ذا هِباتٍ وعطاءٍ وحُلَلْ
فأجابتني بصوت مسمَعٍ:كُفّ عنا! أنت، والله، مُقِلّ
أيها الناس! ألا أخبركم؟ليس للحب مع الفقر عملْ

ولقد أحسن أبو الشيص حيث يقول:

حسَرَ المَشيبُ قِناعه عن رأسهفرمينه بالصدّ والإعراضِ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
ثِنتانِ لا تصبو النساء إليهما:حَلْيُ المشيب وحُلّةُ الإنفاضِ
فوعودهنّ، إذا وعدنك، باطلٌ،وبُروقهنّ كَواذِبُ الإيماضِ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وروى عمر بن شبة عن موسى بن إسماعيل المِنقري قال: كان المُخَبَّل السعدي يعشق امرأةٌ من قومه، فأتلف عليها كلّ ما يملكه، حتى صار يبيع البَعر، فأتاها يوماً، فزبرته وطردته، فانصرف وأنشأ يقول:

إذا قلّ مالُ المرء قلّ صديقه،وأومَت إليه بالعيوب الأصابعُ

وقال الأصمعي: عشق رجلٌ امرأة، وأظهرت له مثل ذلك، فبعثت إليه يوماً تستهديه مالاً، فتعذّر عليه، ووجّه بنصف ما طلبت، فغضبت وهجرته، فكتب إليه:

يا أيها الغضبان أن سامنيما مثله ثِقلٌ على الموسِرِ
فجّدتُ بالنصف له كاملاً،فقال ليس الحب للمقتِرِ
هبني غريماً لك يا مُنيتي،ما يُقبل النص من المُعسِرِ

فكتبت إليه:

إن كنتَ في حالك ذا عُسرةٍ،فدع طِلاب الشادن الأحور
ما إن منحناك الذي نلته،دون ذوي البهجة من معْشَرِ
إلا لتقضي حاجتي كلّهافي حال ذي العُسرة واليُسُرِ

وقال الأخطل يصف نفورهن عن المشيب، وغدرهن بالكهول والشيب:

وإذا دعونك عمّهُنّ، فإنهنَسَبٌ يزيدك عندهنّ خَبالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وإذا وعدنك نائلاً أخلفْنَه،ووجدْتَ عند عِداتهمّ مِطالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

وقال القَطامي أيضاً:

وإذا دعونك عمّهنّ فلا تُجب،فهناك لا يجد الصفاء مكانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وإذا رأين من الشباب لُدونةً،فعسى حبالك أن تكون مِتانا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال جرير:

رأت مرّ السنين أخذن مني،كما أخذ السِّرارُ من الهلال
للشاعر جرير، من قصيدة «لقد نادى أميرك باحتمال»
فقالت: فيم أنت من التصابي،متى عهدُ التشوُّق والدلالِ
فما ترجو، وليس هوى الغوانيلأصحاب التنحنح والسُّعال
للشاعر جرير، من قصيدة «لقد نادى أميرك باحتمال»

وقال أيضاً:

وإذا الشيوخ تعرّضوا لمودّة،قلن: التراب لكلّ شيخٍ أدْرَدا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسى فؤادك ذا شجون مقصدا»
تلقى الفتاة من الشيوخ بليّةً،إن البليّة كلّ شيخٍ أرْمدا
للشاعر جرير، من قصيدة «أمسى فؤادك ذا شجون مقصدا»

وقال امرؤ القيس:

أراهنّ لا يُحببن من قلّ ماله،ولا مَن رأين الشيب فيه وقوّسا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «الما على الربع القديم بِعسعسا»

وأنشدني بعض الكتّاب لأبي الشبل:

عذيري من جَواري الحيّ، إذ يرغبن عن وصلي
رأين الشيب قد ألبسني أبّهةَ الكهلِ
فأعرضن، وقد كنّ،إذا قيل: أبو الشبل
تساعين، فرقّعن الكُوى بالأعين النُّجلِ

وأنشدتُ لغيره:

رأين الغواني الشيب لاح بعارضي،فأعرضْن عني بالخدود النواضِرِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «رأين الغواني الشيب لاح بعارضي»
وكنّ إذا أبصرتني أو سمعن بيسعين، فرقّعن الكُوى بالمَحاجِرِ

وهن على ما فيهن من سُرعة الملل، وما طُبعن عليه من البدل، متمكّناتٌ من القلوب، مُبَرَّآتٌ عند محبّتهن من العيوب.

وإن من محمود مذاهب الظرفاء الميل إلى مغازلة النساء ومداعبة القينات، وحبّ النساء عندهم من حسن الاختيار، وهو أشبه بمذاهب ذوي الأخطار، وليس هوى الغِلمان عندهم بمحمودٍ، ولا هو في سيرهم موجود، وإنما آثروا هوى النساء على الغلمان، ومدحوهن بكل لسان، لمليح براعتهنّ، وتكامُل مَلاحتهن،

وعجيب شكْلهن، وبديع دلّهنّ، وفيهنّ أيضاً خِصالٌ محمودةٌ، ومَلاحة موجودة، إن عُدمت من الجمال وُجدت في العقل، وإن عُدمت من العقل وُجدت في الدلال، وروائحهن أذكى، وهواهن للقلوب أنكى، والعشق بهن أليق، وهنّ للرجال أوفق، وقد قال بعض الشعراء في ذلك وملُح:

أحب النساء وذكْر النساء،ويُعجِبُ قلبي لذيذ الغناء
وهل لَذّة العيش إلا النساء،وحسن الغناء، وشُربُ الطلاء

وقال الفرزدق:

منع الحياة من الرجال وطيبهاحَدَقٌ يُقلّبها النساء مِراضُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «منع الحياة من الرجال وطيبها»
وكأن أفئدة الرجال إذا رأواحَدَقَ النساء لنَبلها أغراضُ

وقال دِعبِلُ بن علي الخُزاعي:

أَحَبُّ ذخيرةٍ، وأحبُّ عِلقٍإليّ الغانيات، وإن غنينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»
وكلّ بُكاء ربعٍ، أو مَشيبٍنُبَكّيه، فهنّ به عُنينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»

وقال بعض الأدباء:

فلو أني رأيتُ الناس يوماً،ووُليبتُ الحكومة والخِصاما
لقرّت عين من يهوى الجَواري،وعاقبتُ الذي يهوى الغُلاما
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «فلو أني وليت الحكم يوما»
سألتمَ أيُّما أحلى حديثاً،وأطيب، حين تعشَقه التزاما
أجاريةٌ منعَّمةٌ رَداحٌ،تزيدك للغرام بها غراما
أو امردُ منتن الإبطين منه،له رمحٌ كرمحك حين قاما
يُريدك للدراهم لا لحبٍّ،وتلك تذوب من كلفٍ سَقاما

وأنشدني علي بن العباس الرومي لنفسه:

نيكك الغِلمان ما أمكنك النسوان أفْنُ
إنما يُمشَقُ في الظهر، إذا ما أعوز بطنُ

وما رأينا أحداً من العرب المتقدّمين والشعراء المفضَّلين صمّدوا في أشعارهم إلى غير ذكر النساء ولا صدّروا قصائدهم إلا بالتشبيب بوصف النساء، هذا حسّان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله، ﷺ، يقول:

يال قومٍ! هل يَقتل المرءَ مثلي،واهنُ البطش والعِظامِ، سؤومُ
همُّها العطر والفِراش، ويعلوها لُجينٌ، ولؤلؤٌ منظوم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «منع النوم بالعشاء الهموم»
لو يدبّ الحوليُّ من ولد الذَّرّ عليها لأندبتها الكُلوم
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «لو يدب الحولي من ولد»

وقد كان النبي، ﷺ، ينصب له مِنبراً في مسجده، ويدعو الناس إلى استماع شعره، وهو يشبّب في قصائده بهذا وما أشبهه من ذكر النساء، وهذا كعب بن زهير ينشد النبي، ﷺ، في مسجده:

بانت سعاد، وقلبي اليوم مَتبولُ،مُتيَّمٌ عندها لا يُفدَ مغلولُ
أكرمْ بها خُلّةً لو أنها صدقتموعودها ولو أن النُّصح مقبول
للشاعر المدائح النبوية، من قصيدة «بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ»

ويمدح النبي، ﷺ، في قصيدته هذه، فيقول فيها:

إن الرسول لَنورٌ يُستضاء به،وصارمٌ من سيوف الله مسلول

والنبي، ﷺ، يومئ إلى الناس في مسجده أن اسمعوا شعره، ولو كان ذكر النساء في الشعر منكراً، لكان النبي، ﷺ، أوّل من أنكره، ولو كان ذكر غير النساء أولى بالتقدمة في الشعر من ذكرهن لكان النبي، ﷺ، أول من أمر بذلك واستقبحه، ولو كان أيضاً في الشعر ذكر النساء من الرفث والفُحش والخنى لكان ما قيل في رسول الله من المديح أحقّ بأن يُسقط منه ذكر القبيح كما أُسقط ذكر الذكورة ووصفُ نعشّقهم من هذه الأشعار ومن نظائرها، من مديح ذوي الأخطار، وما وجدت ذلك في شيء من أشعار المتقدّمين وإنما عُرف الآن في شعر المُحدَثين، وأين ظَرف النساء وحسنهن من غيرهنّ، وأين ملاحة سَلامهن، وحلاوة كلامهن، ومستحسن مداعبتهن، ومحبوب معاتبتهن، ومليح مراسلتهن، لا سيما إن شُبْن هواهن بالغَيرة على محبيهن، والتدلل على متعشقيهن، وصددن من غير زلل، وهجرن من غير ملل، وهنّ والله في كل أحوالهن القاتلات بأفعالهن، وصالهن خَتلٌ، وصدُّعن قتلٌ، وهن المالكات للقلوب، السالبات للعقول، إذا خلون موحْن، وإن ظهرْن نظرن، فقتلن بلحظ عيونهن، وصرعن بكسر جفونهن، وأحيين بقولهن الكاذب، ووعدهن الخائب، فلا شيء أحسن من مطْلهن، ولا ألذ من

خُلف وعدهن، وقد استحسنت الشعراء ذلك منهن، ومدحته في كثير من الأشعار فيهن.

أخبرني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار عن سليمان بن عيّاش السعدي عن أبيه عن جده قال: حدثني السائب راوية كُثيّر قال: كان كُثيّر رجلاً مذنوباً، لا يستقرُّ في مكان، فقال لي ذات يوم: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده، فأتيناه، فاستنشد ابن أبي عتيق كُثيّراً فأنشده:

أبائنةٌ سُعدى؟ نعم ستبين،كما انبتَّ من حبل القرين قرينُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»
أأن زُمّ أجمالٌ، وفارقَ جيرةٌ،وصاح غُراب البين أنت حزينُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»
كأنك لم تسمعْ، ولن ترَ قبلهاتفرُّق أُلاّفٍ لهن حنينُ
حنينٌ إلى أُلاّفهنّ، وقد بدالهن من الشكّ الغداة يقينُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

حتى إذا بلغ إلى قوله:

فأخلفن ميعادي، وخُنّ أمانتيوليس لمن خان الأمانة جينُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

قال ابن أبي عتيق: أو على الدين صُحبتهن، يا ابن أبي جُمعة، ذلك أملح لهن، وأدعى للقلوب إليهن، عبيد الله بن قيس الرًّقيّات أشعر منك حي يقول:

حبذا الإدلال والغنُجُ،والتي في طرفها دَعَجُ
والتي إن حدّثت كذَبت،والتي في وصلها خَلَجُ
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
وترى في البيت صورتها،مثل ما في البيعة السُّرج
خبّروني: عل على رجلٍعاشقٍ في قبلةٍ حرجُ

فقال: لا! إن شاء الله، وانصرف. وقال القطامي يستحسن ذلك من أفعالهن، ويصف مَلاحة اعتلالهنّ:

وأرى الغواني إنما هي جنّةٌ،شبه الرياح نلوِّن الألوانا
وإذا حلفن فهن أكذب حالفٍحَلِفاً، وأملح كاذبٍ إيمانا

وقد أحسن محمود الورّاق حيث يقول:

اصطبح كأس شراب،واغتنبق كأس تَصابي
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «اصطبح كأس شراب»
واجعل الأيام قَسماًبين عتبٍ وعِتاب
ووصالٍ، اهتجارٍ،وبُعادٍ، واقترابِ
واجتنابٍ في دُنوٍّ،ودنوٍّ في اجتناب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «اصطبح كأس شراب»
ورسولٍ بكتابٍ،وانتظار لجوابِ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «اصطبح كأس شراب»
وقُنوعٍ من حبيبٍبالمواعيد الكِذاب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «اصطبح كأس شراب»
ليس في الحب ولا الصبوة حظّ للصوابِ

وقال بعض المحدثين:

ليس يُستحسن في حكم الهوىعاشقٌ يُحسِن تأليف الحججْ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
بُني الحبّ على الجَور، فلوأنصف المعشوق فيه لسَمُجْ
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر وأحسن في قوله:

ألا إنني راضٍ بما حكمت جملُ،وإن كان لي فيه البليّة والقتلُ
فكرّوا عليّ العذل فيها، فإننيرأيتُ الهوى فيها يُجدّده العذلُ
وما جئتها يوماً لبذلٍ رجوتهلديها، فأخشى أن يُعيّره البخلُ

ومن ذلك قول جميل بن معمر العُذري:

ولستُ على بذل الصفاء هويتها،ولكن سبتني بالدلال مع البخل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

وقال أيضاً:

ويقلن: إنك يا بُشَين بخيلةٌ،نفسي فداؤك من ضنينٍ باخل
ويقلن: إنك قد رضيتَ بباطلٍمنها، فهل لك في اعتزال الباطل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أبثين إنك قد ملكت فأسجحي»
ولَباطلٌ ممن ألذُّ وأشتهي،أدنى إليّ من البغيض الباذل

ودخلتْ عزّةُ على هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال: يا عَزّة! أتعرفين قول كُثيّر:

وقد زعمت أني تغيّرتُ بعدها،ومن ذا الذي، يا عَزَّ، لا يتغيّرُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم»
تغيَّر جسمي، والخليفة كالذيعهدتِ، ولم يُخبر بسرّك مخبِرُ

فقالت: ما أعرف هذا ولكني أعرف قوله:

كأني أُناجي صخرةً، حين أعرضَت،من الصمّ لو يمشي بها العُصم زلّتِ
صَفوحٌ، فما تلقاك إلا بخيلةً،فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّتِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

وأنشدني أحمد بن عبيد لرِفاعة الفَقْعسي:

ألم تعلما أمْ لا، وكل بليّةٍمن الدهر يفنى بؤسها ونعيمها
ولم تجدا بلجاءَ إلا بخيلةً،وإن أيسرتْ واحتاج يوماً غريمها

وأنشدني محمد بن يزيد لكثيّر عزّة:

وكم من خليلِ قال لي: هل سألتها؟فقلت: نعم! ليلى أضنّ خليلِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»
وأبعده نيلاً، وأسرعه قلىً،وإن سُئلت نيلاً، فشرُّ منيلِ

وأنشدني أحمد بن يحيى لجميل بن معمر العُذري:

وهجرك من تيما بلاءٌ وشِقوةٌعليك مع الشوق الذي لا يُفارق
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألم خيال من بثينة طارق»
ألا إنها ليست تجود لذي الهوى،بل البخل منها شيمةٌ وخَلائقُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ألم خيال من بثينة طارق»

وأنشدني ابن أبي خَيشمة لعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود:

وزادك إغراءً بها طول بخلهاعليك وأعرى لحم أعظُمك الهمُّ
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة

ومثله قول الأحوص بن محمد الأنصاري:

وزادني كًلَفاً بالحب أن مَنَعت،أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنعا
كم من دنيٍّ لها قد كنت أتبعه،ولو صحا القلب عنها كان لي تبِعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا»

وقال جرير يذكر طول المَطل والخُلْف:

وإذا وعدنك نائلاً أخلفنه،وإذا طُلبن لوين كلّ غريمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ما هاج شوقك من عهود رسوم»
يرمين من خَلَل الستور بأعينٍفيها السقام وبرءُ كل سقيمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ما هاج شوقك من عهود رسوم»

وقال أيضاً:

لعمْرُ الغواني ما جزين صبابتيبهنّ، ولا يُحببن نسج القصائدِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لعل فراق الحي للبين عامدي»
رأيت الغواني مولعاتٍ بذي الهوى،بطول المنى، والخُلف عند المواعدِ

وقال أيضاً:

ألم ترني بذلتُ لهنّ وُدّي،وكذّبتُ الوُشاةَ، فما جَزينا
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا قو وكان لنا محلاً»
إذا ما قلت جاز لنا التقاضيبخلن بعاجلٍ، ومَطلن دَينا

وقال أيضاً:

يقلن إذا ما حلّ دينك عندنا،وخير الذي يُقضى من الدين عاجله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»
لك الخير لا نقضيك إلا نسيّةًمن الدين، أو عَرْضاً، فهل أنت قابله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

وقال أيضاً:

وإذا وعدنك نائلاً أخلفنه،وجعلن ذلك مثل برق الخُلَّبِ
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط فما له من مطلب»
إن الغواني قد قطعن مودّتي،بعد الصفا، ومنعن طِيبَ المَشربِ

وقال كعب بن زهير:

كانت مواعيد عُرقوبٍ لها مثلاً،وما مواعيدها إلاّ الأباطيلُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»
فلا يغرّنْك ما منّتْ، وما وعدتْ،إن الأماني والأحلام تضليلُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

وقال نُصَيب:

أللبين، يل ليلى، جِمالك ترحل،ليقطع منا البينُ ما كان يوصلُ
تُعلّلنا بالوعد ليلى، وتنثنيبموعودها، حتى يموت المعلَّلُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اللبين يا ليلى جمالك ترحل»

وقال كثيرٌ:

وإني لأرضى من نوالك بالذيلو أبصره الواشي لقّت بلابلهْ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»
بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنى،وبالوعد والتسويف قد ملّ آملهْ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وإنى لأرضى منك يا ليل بالذى»

وقال آخر:

يا ربّ خذ لي من الملاح فقدهجن لقلبي من الهوى خَبَلا
من اللواتي يقلن: لنْ، ونعم،وها، وحتى، وقد، وسوف، ولا

والذي جاء في ذلك كثيرٌ يطول شرحه ويُعيي وصفه، وقد مضى من الفصل ما فيه لذوي العقل، وقد أفردنا كتاب القيان لذمّ عُظم القيان، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن تكثير هذا الباب، فاعرفه إن شاء الله.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموشى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.