من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ذكر التفاح وما كره الأدباء من أكله
اعلم أن التفاح عن ذوي الظرف والعشّاق، وذوي الاشتياق، لا يعدله شيء من الثمر، ولا النور والزَّهر. كيف وبه تهدأ أشجانهم، وبوروده تسكن أحزانهم، وعنده يضعون أسرارهم، وإليه يبدون أخبارهم، إذ كان عندهم بمنزلة الحبيب والأنيس، وبموضع الصاحب والجليس، وليس في هداياهم ما يُعادله، ولا في ألطافهم ما يُشاكله، لغلبة شَبَهه بالخدود المورَّدة، والوجنات المُضرَّجة، وهو عندهم رهينة أحبابهم، وتذكُّر أصحابهم، إلى وردته يتطرّبون، وبرؤيته يستبشرون، ولهم عند نظرهم إليه أنينٌ، وعند استنشاق رائحته حنين، حتى إن أحدهم، إذا غلب عليه القلق، وأزعجه الأرق، لم يكن له مُعوَّلٌ إلا عليه، ولا مُشتكىً إلا إليه. وأندشني بعض أهل الأدب:
لمّا نأى عن مجلسي وجهه،ودارتِ الكأسُ بمجراها
صيّرتُهُ تفاحةً بيننا،إذا ذكرناه شممناها
واهاً لها تفاحةً أشبهَتخديه في بهجتها، واها
وقال الحَكَمي:
تفاحةٌ جاءت، وقد عُلّقتْ،ورُكّبَت بالورد والآس
أشرب من كأسي على ريحها،بالرغم من أهلي وجُلاّسي
وقال آخر:
تفاحةٌ أُهديت، ظَرفاً، معضَّضةً،وقد جرى ماءٌ ثغري في ضواحيها
بيضاء في حمرةٍ عُلّت بغاليةٍ،كأنما جُنِيَت من خدّ مُهديها
قد أتحفتني بها في النوم جاريةٌ،رُوحي من السوء والأسقام تفديها
لو كنتُ ميتاً، ونادتني بنغمتهالخِلتُ للصوت من لَحْدي ألبّيها
وقال آخر:
حيّاه من يهوى بتفاحةٍ،قد عضّ أعلاها بأسنانه
جاد، ولم يبخل بها، بعدماعذّبه دهراً بهِجرانه
وقال آخر:
تفاحةٌ تأكل تفاحةً،يا ليتني كنتُ الذي يوكَلُ
فألثم الثغر لكي أشتفيبعلّة الأكل ولا أُوكَلُ
وقال آخر:
تفاحةٌ من عند تفاحةٍقريبةُ العهد بكفّيها
أحبِب بها تفاحةً أشبهَتْحمرتها حُمرة خدّيها
وقال آخر:
تفاحةٌ حمراءُ منقوشةٌركّبتها في خُضرة الآسِ
فلم تزل في كفّ ندمانناتدور من كأسٍ إلى كأسِ
وقال آخر:
تفاحة من عند تفاحةٍضمّخها المهدي لها بالعبيرْ
يا مُهديَ الحسرة يا قاتليأهديتَ لي والله قَصمَ الظهورْ
قد كنتُ في بحرين من حبّكمفصرتُ مذ أُهديتها في بُحورْ
وقال آخر:
فلو أني اشتكيتُ لأجل حُزنيوما ألقاه في دار الخُلودِ
وكان طعامنا فيها جَنيّاًمن التفاح والورد النضيدِ
لقلتُ دعوا لها حِصَصي فإنيأشبّهها بألوان الخدودِ
وقال آخر:
حيّاه مَن يهوى بتفاحةٍقد جُنيَت باللحظ من خدّهِ
معضوضةٍ باللحظ محفوفةٍبعسكر الآجال من صدّهِ
لو شمّها الخلْق لماتوا معاًلعُسر ما يلقاه من جُهدهِ
وقد مضى من هذا الباب مقنِعٌ، وهو كثير مُتّسعٌ، ولهم أشياء من زيّهم جليلةٌ، ونُتَفٌ من مناقبهم نبيلةٌ، أنا أصفها لك في موضعها، وأقطعها من مقاطعها، منها السِّواك الذي صيّروه كأحد الفُروض الواجبة والأمور الإرادية، وقد شرحتُ فيه باباً لتقف عليه، إن شاء الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع