من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ما جاء في السواك وما قيل في عود الأراك
اعلم أن من زيّ الظرفاء، وأهل المروّة والأدباء، وأرباب الديانة والترفُّل، استعمال السِّواك والتسوُّك، فهو أنبل النظافة، وأحسن الطهارة، وأكمل المُروّة، ويرغب فيه أهل الظرف والفُتوّة، وله خِصالٌ مستحسنةٌ، وهو أيضاً من السُّنّة.
وقد روي في الخبر المأثور عن النبي، ﷺ، أنه قال: " طهِّروا أفواهك فإنها مسالكُ التسبيح ".
وعن أبي بكر الصديق، ﵁، أنه قال: " السواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب ".
وحدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن شَيبة عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمر عن عائشة قالت: " قال رسول الله، ﷺ، السواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للربّ ".
وعن علي بن أبي طالب، ﵇: أن النبي، ﷺ، كان إذا قام من الليل تسوّك.
وعن أبي المَليح عن واثِلة بن الأسقَع قال: قال رسول الله، ﷺ: " لقد أمرتُ بالسواك، حتى حسبتُ أن يكون يُكتب عليّ ".
وعن ابن أبي مُليكة قال: عائشة تقول: " مات رسول الله، ﷺ، في بيتي، وليلتي، ويومي، وبين سَحْري ونحري، وخلطْتُ ريقه بريقي. فقلت: يا أمّ المؤمنين، وكيف خَلَطت ريقه بريقكِ؟ قالت: دخل عبد الرحمن
بن أبي بكر وبيده سواكٌ، فنظر إليه النبي، ﷺ، فقلتُ: قد اشتهى السواك، فأخذتُ سِواكه فمضغته ثم أعطيته، فاستاك، ﵇، فلم يشغل النبي، ﷺ، نزول الموت عن طلب السواك، إذ هو أظرف ما استُعمل، وأنبل ما استُحسن، لأنه يُبيّض الأسنان، ويُصفّي الأذهان، ويُطيّب النكهة، ويطفئ المِرّة، ويُنشّف البلغم، ويَشُدّ اللثّة، ويُقوّي العُمور، ويجلو البصر، ويُحدّ النظر، ويفتح السُّدَدَ، ويُشهّي الطعام.
وقد استعملوا أمر المَساويك الأراك وقصب السكّر، وأصول السوس، وعود المَحلَب، وعُروق الإذخِرِ، وعُقَد العاقِرْقَرحا، وكلما أغربوا في اتخاذ ذلك كان أكمل لظَرفهم، وأبلغ في معاني وصفهم.
وللمَساويك أوقاتٌ معلوماتٌ، ومواضع محدوداتٌ، لا تُستعمل في غير أوقاتها، ولا يُتجاوز بها عن ساعاتها، فجائزٌ استعمالها بالغَدَوات والعَشيّات، وأوقات الظهيرات، وقبل الغَداة، وبعد الصلاة، وعلى الريق، وعند النوم، وفي نهار الصوم.
ولا يجوز السواك عندهم في موطن شتّى، منها: الخَلاء، والحمّام، وقارعة الطريق، ومَحفِل الناس؛ ولا يَستاك أحدهم وهو قائمٌ، ولا متّكئٌ، ولا نائمٌ، ولا حيث يراه أحدٌ، ولا يَستاك ويتكلّم.
والسواك في الخَلاء والحَمّام من فِعل السِّفلة والعوامّ، وهو أيضاً يُرخي اللثّة، ويُغيّر النكهة، وليس ذلك عندهم من فِعل الأدباء، ولا من فعل ذوي المُروّة والظرفاء. وقد اتخذ أهل الظرف للمساويك طُسوتاً لِطافاً، وأباريق الشَّبَه
الخِفاف، وكراسي الأبنوس المصدَّفة، والخيزران المُشبّكة، والأحقاق المخروطة، والمِسواكْدَانات المدهونة، والسَّنونات المعمولة، ووقّتوا له الأوقات المعلومة، التي جعلوها كالفرائض المكتوبة، والسُّنن المفروضة، يتأهّبون لوقته.
ولا يَستعملون رأس المسواك مدةً طويلة، وذلك عندهم من الأفعال الذليلة، ويتّخذون لها لفائف الحَزّ، وعصائب القَزّ، ليصونوها بذلك عن الدَّنس، ويوقّوها من الغُبار والنجَس، وقد تهادى أيضاً أهلُ الظرف المَساويك، وأقاموها مقام الرهينة، والتذكرة، والوَديعة، والقُبلة، كما فعلوا باللُّبان الممضوغ، والتفاح المَعضوض. وقال العبّاس بن الأحنف:
طال ليلي بجانب المَيدانمع جَواري المهديّ والخيزرانِ
أرسلَت باللُّبان قد مضغَتهبين تفّاحتين في ريحانِ
وبمسواكها الذي اختاره اللهـ لفيها من طيّب الأغصانِ
فكأني وجدتُ ريحاً من الفِرْدوس فاحَت من ريح ذاك اللُّبانِ
وقال أيضاً:
ولّما وهبتُم خاتماً فرددتُهلمعرفتي أنّ الخَواتيم تقْطَعُ
فأهدي سِواكاً مسّ فاكِ فإنهيُسكِّن ناراً في جَوى القلب تلذَعُ
وقال بشار بن برد العُقيلي يذكر ذلك أيضاً:
تسوّكتْ لي بمسواكٍ لتُعلِمنيما طعم فيها وما همّت بإصلاحِ
لما أتاني على المِسواك ريقتُهامَثلوجةً، كزُلال الماء بالراحِ
قبّلتُ ما مسّ فاها ثم قُلتُ له:يا ليتني كنتُ ذا المسواك يا صاحِ
وقال أيضاً:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختَبَرٍلولا شهادةُ أطراف المَساويكِ
إن الذي راحَ مَغبوطاً بنعمتهكفٌّ تَمَسُّكِ أو كفٌّ تُعاطيكِ
ولو وهبتِ لنا يوماً نعيش بهأحييتِ نفساً وكانت من مَساعيكِ
يا رحمة الله حُلّي في منازلناحسبي برائحة الفِردوس من فِيكِ
وقال أيضاً:
يطيبُ مِسواكُها من طيبِ نكهتهاوإن ألمَّ بجِلدٍ جِلدّها طابا
وقال آخر:
وبرّاقةٍ تفترُّ عن مُتبسَّمٍكنور الأقاحي طيّب المُتذَوَّقِ
إذا مضغَت بعد امتناعٍ من الضُّحىأنابيب عيدان الأراكِ المُخلَّقِ
سَقَتْ شُعَبَ المِسواك ماء غَمامةٍفضيضاً بممزوج العُقار المُصفَّقِ
وقال جرير:
ما استوصفَ الناسُ من شيء يَرُوقُهُمُإلا أرى أُمَّ نوحٍ فوق ما وصفوا
كأنها مُزنةٌ غَرّاءُ رائحةٌأو دُرّةٌ لا يُواري لونَها الصَّدفُ
مكسورة الثدْي في لُبٍّ يُزيِّنهاوفي المَناصِبِ من أنيابها عَجَفُ
تسقي غَمام ندى المِسواكِ ريقتَهاكما تضمّن ماءَ المُزنةِ الرَّصَفُ
وقال الفرزدق:
دَعَونَ بقُضبان الأراكِ، التي جَنىلها الركب من نَعمان أيام عَرَّفوا
فمُجْنَ به عَذْبَ الرُّضاب غُروبُهُرِقاقٌ وأعلى حيث رُكِّبنَ أعجفُ
وقال ذو الرُّمّة:
جرى الإسْحِلُ الأحوى بطفلٍ مُطرَّفٍعلى الغُرّ من أنيابها، فهْيَ نُصَّعُ
وقال آخر:
نَظَرَت بعَينَيْ شادنٍ وتبسَّمَتْبظمياء عن غُرٍّ لهنّ غُروبُ
جرى الإسحِلُ الأحوى عليهنّ أو جرىعليهنَّ من ماء الأراك قَضيبُ
وقال جرير:
يجري السواك على أغرَّ كأنهبَرَدٌ تحدّر من مُتون غَمامِ
اقرأ السلام على سُعادَ وقُل لهايوماً تَرُدّ رسولنا بسلامِ
وقال أيضاً:
إنّ الشقاء وإن ضَنَت بنائلهافرعُ البَشام الذي تجلو به البَرَدا
ما في فؤادِكَ من داءٍ يُخامِرهإلا التي لو رآها راهبٌ سجَدَا
وقال جميل بن مَعْمر:
بثغرٍ قد سقين المِسك منهمَساويك البَشام ومن غُروبِ
ومن مجرى غوارب أُقحُوانٍشَتيتِ النبتِ في عامٍ خَصيبِ
وقال آخر:
وغادين بالقُضبان كلَّ مُفّلَّجٍبه الظَّلْمُ لم يُفللْ لهنّ غُروبُ
رُضاباً كطعم الشَّهد يجلو مُتونَهمن الأيك أو غضِّ البَشام قضيبُ
أولئك لولاهنّ ما سُقتُ نِضوةًولا قابلتني في البلاد جَنوبُ
وقال أيضاً:
إذا الريح من نحو الشمال تنسَّمَتوَجَدتُ لريّاها على كَبدي بَرْدا
تخيّرتُ من نعمان عودَ أراكةٍلهندٍ ولكن من يُبلِّغه هِندا
وأنشدني أبو علي الحسن بن عُليل الغنزيّ قال: أنشدني الزبير بن بكّار قال: أنشدني أبو مُسلم الكلابي لمهدي بن الملوَّح الكِلابي:
تَبيتُ ليلى وقد كنا نُبَخِّلها،قالت: سقى الله ذاك المَرْبَعَ الجَدْبا
يا حبّذا راكباً كنّا نَهَشّ له،يُهدي لنا من أراكِ الموسى القُضْبا
وقال القَطامي:
منعَّمةٌ تَجلو بخَوطِ أراكةٍذرى بَرَدٍ عَذبٍ شَتيتِ المناصبِ
كأنّ فضيضاً من غَريضِ غَمامةٍعلى ظمأِ جادت به أمُّ غالبِ
لمُستهلِكٍ قد كاد من شِدّة الهوىيموت ومن طول العِدات الكَواذبِ
وقال بعض الأعراب، ويُروى للأُمَيلس:
منعَّمةٌ هيفاءُ عَجزاءُ خَدْلَةٌتمسُّ مَثاني شعرها قَصَباً جَزْلا
وتجلو بمِسواك الأراكِ مُفلَّجاًعِذابَ الثنايا، لا قِصاراً ولا ثُعْلا
وقال العَطَوي:
عندكنّ الفؤاد والقلب رَهْنٌفي يدي ذاتِ دُمْلُجٍ ووِشاحِ
وثَنايا رقيقةٌ كغديرٍمن مُدامِ وروضةٌ من أقاحِ
فمساويكها بها كلَّ يومٍفي رياضٍ من اصطباحِ الراحِ
وقال عليّ بن الجَهم:
حَجّوا مواليكِ يا بُرهانُ واعتمرواوقد أتتكِ الهدايا من مَواليكِ
فأتحفيني مما أتحفوكِ بهولا تكن تحفتي غير المَساويكِ
ولست أرضاه حتى ترسلين بهمما جلا الثغر أو ما جال في فيكِ
ولأبي الطيّب في ذلك:
شهيدي على طيب اللِّثات وريقهاأنابيبُ عيدان الأراك المُفرَّعِ
كأنّ حَباب الريق حين تمُجُّهُعلى شُعَبِ المِسواك غير ممزَّعِ
رَشاشُ ذكيِّ المسك شيبَ بعَنبرٍأو الراح من صَفوِ العُقارِ المُشعشَعِ
وقال مروان بن أبي حَفصة:
شِفاءُ الصدى ماءُ المساويك والذي اجتنى الريقَ من خَمْلٍ ينازلها طِفلُ
فيا حبّذا ذاك السواك وحبّذابه البَرَد العَذبُ الغَريضُ الذي يجلو
وأحسن محمد بن عبد الله بن طاهر حيث يقول:
وإذا سألتُك بعض ريقكِ قلت ليأخشى عُقوبةَ مالكِ الأملاكِ
أيجوز عندكِ أن يكون مُتَيَّمٌيَهواكِ عندكِ دون عودِ أراكِ
ماذا عليكِ، جُعلتُ قبلكِ في الثرى،من أن أكون خليفةَ المِسواكِ
وهذا باب تطَنَّبَ فيه الشعراء، ويتّسع لها القول في ذكره، وقد مضى من بعضه ما أغنى عن شرح كله، وأنا أصف لك جُملةً من جميل مناقبهم، وما يُؤثَر من حُسن مذاهبهم، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع