من «أخبار أبي تمام» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار أبي تمام مع مخلد بن بكار الموصلي
حدثني أحمد بن إبراهيم قال، حدثني بدر غلام مخلد قال: دخل أبو تمام الحمام ومخلد فيه، وإذا عليه شعر كثير، كأنه قد ألبس مسحاً، فقال له أبو تمام: ما هذا؟! قال: حذراً من لسانك أن ينسبني إلى البغاء.
حدثني أبو سليمان النابلسي قال، قيل لأبي تمام: قد هجاك مخلد، فلو هجوته؟ قال: الهجاء يرفع منه، قيل: أليس هو شاعراً؟ قال: لو كان شاعراً ما كان من الموصل. يعني أن الموصل لم تخرج شاعراً. قال أبو سليمان: وأصل مخلد من الرحبة ثم أقام بالموصل.
حدثني أحمد بن محمد البصري، غلام خالدٍ الحذاء الشاعر وراويته قال، حدثني الخليع الشاعر القرشي قال: كان أول شعر هجا به مخلد أبا تمام قوله:
أنت عندي عربيُّالأَصْلِ ما فيكَ كلامُ
عربيُّ عربيُّأَجَإِيٌّ ما تُرامُ
شَعْر فَخْذَيْكَ وساقَيْكَخُزَامَي وثُمَامُ
وضلُوعُ الشِّلوْ مِنْ صَدْرِكَ نبعٌ وبَشَامُ
وَقَذَى عينيْكَ صَمْغٌوَنَواصِيكَ ثَغَامُ
لو تحركْتَ كذا لانْجَفَلَتْ منكَ نَعامُ
وظِبَاءٌ مُخْصِبَاتٌويَرَابِيعُ عِظَامُ
أنَا ما ذنْبَي إِنْ خَالفَنَي فيكَ الأَنَامُ؟
وَأَتَتْ مِنكَ سَجايَانَبَطِيَّاتٌ لِئَامُ
وَقَفاً يَحْلِفُ أَنْ مَاعَرَّقَتْ فِيكَ الكِرَامُ
ثُمَّ قَالُوا: جَاسِمِيٌّمِنْ بَنِي الأَنْبَاطِ خَامُ
كَذَبُوا، مَا أنْتَ إلاَّعَرَبيٌّ مَا تُضَامُ
بَيْتُهُ مَا بَينَ سَلْمَىوَحَوَالَيْهِ سِلاَمُ
وَلَهُ مِنْ إِرْثِ آباءٍ قِسِىٌّ وَسِهَامُ
وَنَخِيلٌ بَاسِقَاتٌقَدْ دَنَا مِنْهَا صِرَامُ
أَنْتَ عِنْدِي عَرَبيٌّعَربيٌّ وَالسَّلاَمُ
وأنشدني أبو جعفر مولى آل سليمان بن علي لمخلدٍ في أبي تمام:
انْظُرْ إلَيْهِ وَإلَى خُبْثِهِكيفَ تَطَايا وَهْوَ مَنْشُورُ
ثُمَّ عَلَى طَاقٍ شَخِيتِ الْقُوَىنِسْبَتُهُ وَالُّلؤْمُ مَضْفُورُ
وَيْلكَ، مَنْ دَلاَّكَ في نِسْبَةٍقَلْبُكَ مِنْهَا الدَّهْرَ مَذْعُورُ
لَوْ ذُكِرَتْ طَاءٌ عَلَى فَرْسَخٍأَظْلَمَ في نَاظرِكَ النُّورُ
وأنشدني أبو سليمان الضرير لمخلدٍ في أبي تمام:
لَوِ امْتَخَطْتَ وَبْرَةً وَضَبَّاوَامْتَشَّتْ اليَرْبُوعَ نِيّاً صُلْبَا
وامْتَصَّتَ الحَنْظَلَ غَضّاً رَطْباَوَلَمْ تَذُقْ مَاءً نُقَاخاً عَذْبَا
وَبُلْتَ بَوْلَ جَمَلٍ قَدْ هَبَّاولَمْ تَرُمْ إلاَّ الْجِمَالَ كَسْبَا
ثمَّ قَعَدْتَ الْقُرْفُصَا مُنْكَبَّاتَحْكي عرَابيَّ فَلاةٍ قَلْبَا
إِنْ دَخَلَ الإيوَانَ صَاحَ الكرْبَاحَتَّى يَحُلَّ جَعْجَعَاناً رَحْبَا
ولَوْ نَكَحْتَ حِمْيَراً وكَلْبَاوقَيْسَ عَيْلاَنَ الْكِرَامَ الْغُلْبَا
بِالشَّامِ حَيْثُ زَجْرُهَأ يُلبَّيلاَ حَيْثُ أَضْحَى النَّسَبُ الْمُرَبَّي
يُصْبِحُ عَبْداً وَيَرُوحُ رَبَّاثُمَّ اتَّخَذْتَ اللاَّتَ فيِنَا رَبَّا
وَلَمْ تَسَمِّ القُطْنَ إلاّ عُطْبَاوَقُلتَ لِلْعَيْرِ الْبَلِيدِ حَوْبَا
مَا كُنْتَ إلاّ نَبَطِياً قَلْبَالَوْ نَقَرَ الصَّخْرَ أَفَاضَ غَرْبَا
حتَّى يُسِيحَ لِلنَّبَاتِ شِرْبَاويُنْبتَ الْحَبَّ بهِ وَالْقَضْبَا
هيَّجْتَ مِنيِّ شَاعِراً أَرَبَّايُدِيُر في حُسَاماً عَضْبَا
مُهنَّداً مَدَّاحَةُ مِسَبَّايَلحَبُ أَعرَاضَ اللِّئَامِ لَحْبَا
وهذا الفن قد سبق مخلد إليه: قال أبو نواسٍ في أبي خالدٍ الفارسي، وخرج إلى البدو شهرين فصار نميريا، وعاد فأنكر الميازيب، فقال: ما هذه الخراطيم التي لا أعرفها؟ فقال فيه أبو نواس:
يَا رَاكبِاً أَقْبَلَ مِنْ ثَهْمَدٍكَيْفَ تَرَكْتَ الإبلَ وَالشِّاءَا؟
وَكيْفَ خَلَّفْتَ لِوَى قَعْنَبٍحَيْثُ تَرَى التَّنُّومَ وَالآءَا
جَاءَ مِنَ البَدْوِ أَبُو خَالدٍوَلَمْ يَزَلْ بِالمصْرِ تَنَّاءَ
يَعْرفُ لِلنَّارِ أَبُو خَالِدٍسِوَى اسْمِهَا في النَّاسِ أَسْمَاءَ
إذَا دَعَا الصَّاحبَ يَهْيَا بِهِوَيُتْبِعُ الْيَهْيَاءَ يَهْيَاءَ
لَوْ كُنْتَ مِنْ فَاكِهةٍ تُشْتَهَىلِطيبِهَا كُنت الغُبَيْرَاءَ
لاَ تَعْبُرُ الحَلْقَ إلىَ دَاخِلٍحَتَّى تَحَسَّى فَوْقَها المَاءَ
وقد سبق أبو نواس أيضاً إلى هذا: حدثني مسبح بن حاتم العكلي قال، حدثني يعقوب بن جعفر قال: أمر إسماعيل بن علي لحماد عجردٍ بخمسة آلاف درهمٍ، فمطله بها كاتبه محمد بن نوح، فقال فيه حماد:
قَالَ ابنُ نُوحٍ لي وَقَدْأظْهَرَ بَعْضَ الْغَضَبِ
أَنْتَ الذي نَفَيْتَنيفي الشِّعْرِ عَنْ نُوحٍ أبي؟
فَقْلْتُ: لاَ، لاَ تَرْمِنِيمِنْكَ بِمَحْضِ الكَذِبِ
وَيْحَكَ لَمْ أفْعَلْ وإنْكُنْتَ سَقِيمَ الحَسَبِ
لَكنَّنيِ كُنْتُ فَتىًعَلاَّمَةً بِالنَّسَبِ
فَقْلْتَ لي: نُوحٌ أبي،فقلتُ: جَاوِزْ بِأَبِ
فَلَمْ تُجَاوِزْهُ وَفيِذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَبِ
فَيَا ابنَ نُوحٍ، يَا أَخَا الحِلْسِ، وَيَا ابْنَ القَتَبِ
وَمَنْ نَشَا وَالِدُهُبَيْنَ الرُّبَى وَالكُثُبِ
يَا عَربي يَا عَربِييَا عَربي يَا عَربِي
ولما مات أبو تمام رثاه مخلد بهجاءٍ فقال:
سَقَتْ حَتَارَكَ يَا طَائِيُّ غَادِيَةٌمِنَ المَنِيِّ وَقُطْعَانٌ مِنَ الكَمَرِ
فَنَوْءُ جُرْدَانَ أَشْهَى لاَ أَشُكُّ بِهِإلىَ حَتَارِكَ مِنْ نَوْءَيِنْ مِنْ مَطَرِ
حَرُّ الحُلاَقِ وَبَرْدُ الشِّعْرِ أَتْلَفَهُفَجَاءَهُ المَوْتُ مِنْ حَرٍّ وَمِنْ خَصَرِ
وكان أبو تمام لا يجيب هاجياً له، لأنه كان لا يراه نظيراً ولا يشتغل به.
حدثني أبو العشائر الأزدي الشاعر قال، حدثني أبي قال: قلت لأبي تمام: ويحك قد فضحنا هذا الموصلي بهجائك فأجبه، قال: إن جوابي يرفع منه، وأستدر به سبه، وإذا أمسكت عنه سكتت شقشقته، وما في فضل مع هذا عن مدح من أَجتديه.
وقال فيه مخلد:
يَا نَبِيَّ الله في الشِّعْرِ وَيَا عيَسى بنَ مَرْيَمْ
أََنْتَ مِنْ أَشْعَرِ خَلْقِ اللهِ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ!
وقد هجا أبا تمام من هو أشعر من مخلد: حدثني محمد بن موسى الهاشمي، وأبو الربيع المنقري قالا: عزم أبو تمام على الانحدار إلى البصرة والأهواز لمدح من بهما، فبلغ ذلك عبد الصمد بن المعذل فكتب إليه:
أَنْتَ بينَ اثنَتَينِ تَغْدُو مَعَ النَّاسِ وَكِلْتَاهُمَا بِوَجْهٍ مُذَالِ
لَسْتَ تَنْفَكُّ طَالِباُ لِوصَالٍمِنْ حَبِيبٍ أوْ طَالباً لِنَوَالِ
أيُّ مَاءٍ لَماءِ وَجْهِكَ يَبْقَىبَعْدَ ذُلِّ الْهَوَى وَذُلِّ السُّؤَالِ؟
فلما قرأ الشعر قال: قد شغل هذا ما يليه، فلا أرب لنا فيه، وأضرب عن عزمه.
وجدت في كتبي: وقال الوليد يهجو أبا تمام، وهي قصيدة اخترت منها:
دَعِ الهِجَاءَ فإِنَّ اللهَ حَرَّمَهُوَاقْصِدْ إلَى الَحقِّ إنَّ الحَقَّ مُتَّسِع
وَاذْكُرْ حَبيبَ بْنَ أَوْشُونَا وَدِعْوَتَهُفإنّ طَيّاً إذَا سُبُّوا بِه جِزَعُوا
إنْ يَقْبَلوُكَ أبَا النُّقْصَانِ يَحْتَقبْواعَاراً وتَخفِضُ منهُمْ كلَّ مَا رَفَعُوا
لَوْ أنَّ عَبْدَ مَنَافٍ في أَرُومِتهِمْتَقَبَّلوُكَ لَمَا ضَرُّوا وَلاَ نَفَعُوا
وَإنْ نَفَوكَ كما يَنفُونَ كَلْبَهُمُعَنِ الصَّمِيمِ أَصَابُوا الحَقَّ وَانْتَفَعُوا
إِنْ يَرْقَعُوا بِكَ خَرْقاً في أَدِيمِهِمِقالَ العِبَادُ جَمِيِعاً: بِئْسَما رَقَعُوا
مِرْبَاعُ قَوْمكَ نَاقُوسٌ وَشَمْعَلةٌفَاذْكُرْ مَرَابِيَعُهمْ فِيهَا إذَا ارْتَبَعُوا
ولَوْ تُنَاطُ بِطَىٍ كُلُّ مُخْزِيَةٍلكُنْتَ أخْزىَ لَهمْ منْهَا إذا اجتْمَعُوا
إِنِّي هَجَوْتُكَ عَنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍبِأَنَّ شِعْرَكَ قَدْ أَوْدَى بهِ الفَزَعُ
إنّ القُرُومَ إذَا أبْدَتْ شَقَاشِقَهَالِلْهَدْرِ لَمْ يَدْنُ منْ أَعْطَانِهَا الْهُبَعُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع