من «أخبار أبي تمام» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار أبي تمام مع الحسن بن وهب
ومحمد بن عبد الملك الزيات حدثني عبد الرحمن بن أحمد قال: وجدت بخط محمد بن يزيد المبرد أن أبا تمام كتب إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذاً:
جُعِلْتُ فِداكَ، عبد الله عِنديِبعَقْبِ الهجْرِ منهُ والبِعَادِ
لَهُ لُمَةٌ منَ الكُتَّابِ بِيضٌقضَوْا حقَّ الزيارَةِ والوِدادِ
وأحْسَبُ يَوْمَهمُ إنْ لمْ تَجُدْهُمْمُصَادِفَ دعْوَةٍ منهُمْ جَمَادِ
فكَمْ نَوْءٍ من الصَّهْبَاءِ سَارٍوآخَرَ منكَ بالمعْروُفِ غادِ
فَهَذَا يَسْتَهِلُّ عَلَى غَلِيليوهَذَا يَسْتَهلُّ عَلَى تِلاَديِ
دعَوْتُهُمُ عَليكَ وكنتَ مِمنْنُعَيِّنُهُ عَلَى العُقَدِ الجيِادِ
فوجه إليه بمائةٍ دنّ ومائة دينارٍ، وقال: لكل دنٍ دينار.
حدثني عبد الله بن المعتز قال: صار إلي محمد بن يزيد النحوي منصرفاً من عند القاضي إسماعيل، وكان يجيئني كثيراً إذا انصرف من عنده، فأعلمني أن الحارثي الذي يقول فيه ابن الجهم:
لَمْ يَطْلعَا إِلاَّ لآبدَةٍالحارثي وكوكب الذَّنَبِ
دخل إلى القاضي إسماعيل، فأنشده شعراً لأبي تمام إلى الحسن بن وهب، يستسقيه نبيذاً لم أر أحسن منه في معناه، وأنه كره أن يستعيده أو يقول له اكتبه، لحال القاضي، فقلت له: أتحفظ منه شيئاً؟ قال: نعم، أوله:
جُعِلتً فِداك عبد الله عندي
قال: فأنشدته الأبيات وكنت أحفظها فكتبها بيده وهي هذه الأبيات التي ذكرناها.
حدثنا أحمد بن إسماعيل قال، حدثني عبيد الله بن عبد الله قال: استهدي أبو العيناء مطبوخاً، فوجهت إليه بشيءٍ منه، فاستقله وكتب إلي: أقول للأمير ما قاله أبو تمام لمحمد بن علي بن عيسى القمي، وقد استهداه شراباً فأبطأ رسوله، ثم وجه إليه بشرابٍ أسود قليلٍ، فكتب إليه:
قد عرفنا دلائلَ المنْعِ أوْ مَايُشْبِهُ المنْعَ باحتباسِ الرَّسُولِ
وافتَضَحْنا عند الزَّبِيبِ بما صَحَّلديْهِ مِنْ قُبْحِ وَجْهِ الشَّمُولِ
وهْيَ نَزْرٌ لو أنًّها من دُمُوعِ الصَّبِّلم تَشْفِ منه حَرَّ الغليلِ
قد كتَبْنَا لك الأمانَ فَما تسألُمنْهَا عُمْرَ الزمان الطويل
كم مغطى قد اختبرنا نداهوعرضنا كثيره بالقليل
قال: فأرضيت أبا العيناء بعد ذلك.
ومثل قوله:
وهْي نَزْرٌ لَوْ أنَّها من دمُوع الصَّب
ما حدثنيه أحمد بن إبراهيم الغنوي قال: طلب أبو مالك الرسعني وخاله ذو نواس البجلي الشاعر من صديقٍ له نبيذاً، فوجه إليه بأرطالٍ يسيرة فكتب إليه:
لو كانَ ما أهْدَيْتَهُ إِثْمِداًلم يكْفِ إلاَّ مُقْلةً واحدَهْ
بَرَّدْتَ وَاللهِ عَلَى أنَّهاإليكَ مِنَّا حاجةٌ بارِدَهْ
والبحتري يقول في نحو هذا لأبي أيوب ابن أخت الوزير:
لكَ الخيرُ، ما مِقدَارُ عَفْوي وما جُهْدِيوآلُ حُمَيدٍ عنْدَ آخِرِهم عِنْدي؟
تَتابَعتِ الطَّاءَانِ طُوسٌ وَطَيِّئٌفَقُلْ في خُراسانٍ، وإنْ شِئْتَ في نَجْدِ
أَتَوْنِي بِلاَ وَعْدٍ وإنْ لم تَجُدْ لهُمْبِرَاحِهِمِ راحُوا جَمِيعاً عَلَى وَعْدِ
ولم أرَ خِلا كالنَّبيذِ إذَا جفَاجفَاكَ لهُ خُلاَّنُهُ وذَوُو الوُدِّ
وممَّا دَهَى الفِتْيَانَ أنَّهُمُ غَدَوْابِآخِرِ شَعبانٍ على أوَّلِ الوَرْدِ
غداً يَحْرُمُ الماءْ القَرَاحُ وَتَنْتَوِىوُجوهٌ مِنَ الَّلذَّاتِ مُشْجِيَةُ الفَقْدِ
أَعِنَّا عَلَى يَوْمٍ يُشَيِّعُ لَهْوَنَاإلَى ليلةٍ فيها لهُ أجَلٌ مُرْدِي
حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: وجه الحسن بن وهب إلى أبي تمام وهو بالموصل خلعةً فيها خَزُّ ووشْىٌ. فامتدحَه ووصفَ الخلعة في قصيدةٍ أولها:
أَبُو عَليٍ وَسْمِيُّ مُنْتَجِعِهْفاحلُلْ بأَعَلى وَاديِهِ أوْ جَرَعِهْ
ثم وصف الخلعة فقال:
وقد أتاني الرسولُ بالملبسِ الفَخْمِلصيفِ امرئٍ ومُرْتَبَعِهْ
لو أَنها جُلِّلَتْ أوَيْساً لقدْأسْرَعتِ الكِبْرياءُ فيِ وَرَعِهْ
رائقُ خَزٍّ أُجيدَ سَائِرُهُسَكْبٍ تَدينُ الصَّبَا لمُدَّرِعِهْ
وَسِرُّ وَشيٍ كأنَّ شِعْريَأحْيَاناً نَسِيبُ العُيُونِ مِنْ بِدَعِهْ
تَرَكْتَنِي سَامِيَ الجُفُونِ عَلَىأَزْلَمِ دَهْرٍ بِحْسْنِهَا جَذَعِهْ
يريد على دهر قديم وهو الأزلم لطوله وقدمه وجذعه، لأن يومه جديد، قال لقيط الإيادي:
يا قَوْم بَيْضَتُكُمْ لاَ تُفْجَعُنَّ بهاإِني أخافُ عليها الأزلَمَ الجَذَعَا
وقد وصف خلعةً أخرى أحسن من هذا الوصف وجوده.
حدثني عون بن محمد قال، حدثني الحسين بن وداع، كاتب الحسن بن رجاء، قال: حضرت محمد بن الهيثم بالجبل وأبو تمام ينشده:
جَادَتْ مَعَاهِدَهُمْ عِهَادُ سَحَابةٍما عَهْدُها عندَ الدِّيارِ ذَميمُ
قال: فلما فرغ منها أمر له بألف دينار وخلع عليه خلعةً حسنةً، وأقمنا ذلك اليوم عنده، ومعنا أبو تمام، ثم انصرف وكتب إليه في غد ذلك اليوم:
قَدْ كسَانَا من كُسْوَةِ الصَّيْفِ خِرْقٌمُكْتَسِ من مَكاَرِمٍ ومَسَاعِ
حُلَّةً سَابِرِيَّةً ورِداءًكَسَحَا القَيْضِ أو رِداءِ الشجاعِ
كالسَّرابِ الرَّقْراقِ في الحُسْنِ إلاّأنّه ليس مِثلَه في الخِدَاعِ
قَصَبِيّاً تَسْتَرَجِفُ الريحُ مَتْنَيْهِ بأمرٍ منَ الغُيُوبِ مُطاعِ
رَجَفَاناً كأنه الدهرَ منهُكبِدُ الصّبِّ أوْحَشَا المُرْتاعِ
لاَزماً ما يَليه تَحْسَبُهُ جُزْءاً من المثْنَيَيْنِ والأَضْلاعِ
يَطْرُدُ اليومَ ذا الهجير ولو شُبِّهَ في حَرِّهِ بِيَوْمِ الوَدَاعِ
خِلْعَةٌ مِنْ أَغَرَّ أرْوَعَ رَحْبِ الصَّدْرِ رَحْبِ الفُؤَادِ رَحْبِ الذِّرَاعِ
سَوْفَ أَكْسُوكَ ما يُعَفِّى عليْهامِنْ ثَنَاءٍ كالبُرْدِ بُرْدِ الصَّنَاعِ
حُسْنُ هاتيكَ في العُيونِ وَهَذَاحُسْنُهُ في القُلُوبِ والأَسْمَاعِ
فقال محمد بن الهيثم: من لا يعطي على هذا ملكه؟ والله لا بقى في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام؛ فأمر له بكل ثوبٍ يملكه في ذلك الوقت.
ونحو قول أبي تمام في البيت الأخير قول عبد الصمد:
بأيْمَنِ طائرٍ وأَسَرِّ فَالِوأَعْلَى رُتْبَةٍ وأجلِّ حالِ
شَرِبتَ الدُّهْنَ ثم خرجتَ منهُخُروجَ المَشْرَفِيِّ من الصِّقالِ
تكشَّفَ عنكَ ما عايْنتَ منهُكَماَ انكَشَفَ الغَمامُ عنِ الهِلالِ
لطُولِ سَلاَمةٍ ولطولِ عُمْرٍبَلَغْتَ بكَ الطِّوَالَ من اللَّياليِ
وَقَدْ أَهْدَيتُ رَيْحَاناً طَرِيفاًبِهِ حاجَيْتُ مُسْتَمعِي مقَالِي
وما هو غَيْرُ حاءٍ بَعْدَ ياءٍتُخُبِّرَ بَعْدَ ميمٍ قَبْلَ دالِ
ورَيْحَانُ النَّباتِ يعيشُ يَوْماًوليسَ يمُوتُ رَيْحَان المقَالِ
ولَمْ تكُ مُؤْثِراً رَيْحَانَ شَمِعَلَى رَيْحَانِ أَسْمَاعِ الرِّجالِ
ولي أبياتٌ من قصيدة مدحت بها صديقاً لي، وصفت فيها الثياب، وما علمت أن أحداً وصفها حتى قرأت شعر أبي تمام، وقد أحسن فيه غاية الإحسان. قلت:
أين الدَّبِيقُّيِ الذي مَدَّتْ بِهِأيدي النَّسَاءِ فجاءَ طَوْعَ المِغْزَلِ
غَمَضَتْ حَواشِيهِ لدِقَّةِ نَسْجِهمِنْ غَيْرِ تَضْليعٍ وغَيْرِ تَسَلْسُلِ
والثَّوْبُ قَدْ يَحْكِي بِدِقّةِ نَسْجِهِنَسْجَ العناكِبِ بالمكانِ المُهْمَلِ
شُغِلَتْ به هِمَمُ المُلوكِ وأُمْهِلَتْصُنَّاعُه فيه ولم تُسْتَعْجَل
فَغَدَا عليكَ مُهَلْهَلاً يَخْفَى عَلَىرَاحِ التِّجارِ وليسَ بالمُسْتَرْسِلِ
عِدْلُ الهَوَاءِ إذا صَفَتْ أقْطَارهُوَأَرَقَّهُ نَسْجُ الخَرِيفِ المُقْبِلِ
أوْ مِثْلُ نَسْجِ الشَّمْسِ تَحْسِرُ دُونَهُوتَكِلُّ عَيْنُ النَّاظِرِ المُتَأَمِّلِ
فَكأَنَّهُ عَرَضٌ يَقُومُ بِنَفْسِهِمِنْ غَيْرِ مَا جِسْمٍ لَهُ مُتَقَبِّل
ولا أعرف شيئاً قبل هذا في وصف ثوبٍ ولا غزلٍ إلا ما حدثني به محمد بن يزيد النحوي قال: أنشدني عمرو بن حفص المنقري لأبي حنش النميري في رجلٍ ولي الإمارة بعد أن كان حائكاً:
للهِ سَيْفُكَ ما أَكَلَّ وُقُوعَهُأَيامَ أنتَ بضرْبِه لا تَقْتُلُ
إلاَّ خُيُوطاً أُبْرِمَتْ طَاقَاتُهاتُثْنَى بأَطْرافِ البنَانِ وَتُفْتَلُ
بِيضاً تُباهِي العَنكبوتَ بِنَسْجِهَاكالَّرقِّ رَقَّقَ غَزْلُهنَّ المِغْزَلُ
ما زلتَ تضْربُ في الغُزُولِ بِحَدِّهِحتَّى حَدِبْتَ وَزَالَ مِنكَ المَفْصِلُ
أيامَ قِدْرُكَ لاَ تَزَالُ نَضِيجَةًمِنْ أَرْدَاهَاجٍ ليسَ فيه فُلْفُلُ
حدثني محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعشق غلاماً خزرياً كان للحسن بن وهبٍ، وكان الحسن يتعشق غلاماً كان لأبي تمام رومياً، فرآه أبو تمام يوماً يعبث بغلامه فقال: والله لئن أعنقت إلى الروم لنركضن إلى الخزر. فقال ابن وهب: لو شئت لحكمتنا واحتكمت، فقال له أبو تمام: أنا أشبهك بداود وأشبهني بخصمه. فقال الحسن: لو كان هذا منظوماً خفناه، فأما منثوراً فهو عارضٌ لا حقيقة له، فقال أبو تمام:
أبا عَليٍ لِصَرْفِ الدَّهْرِ والغِيَرِوللحوادِثِ والأيامِ والعِبَرِ
أذْكَرْتَني أَمْرَ دَاودٍ وكُنْتُ فَتىًمُصَرَّفَ القَلْبِ في الأَهْوَاءِ والذِّكَرِ
أَعِنْدَكَ الشَّمسُ لم يَحْظَ المَغِيبُ بهاوأنتَ مُضْطَرِبُ الأحْشاءِ بالقَمرِ
إِنْ أنتَ لمْ تَتْرُكِ السَّيْرَ الَحثِيثَ إلىجَآذِرِ الرُّومِ أَعْنَقْنَا إلى الخَزَرِ
إنّ القَطْوبَ لَهُ مِنِّي مَقَرُّ هوىًيَحْلُّ مِنِّي مَحَلَّ السَّمعِ والبصَرِ
وَرُبَّ أَمْنَعَ منه صاحباً وَحِمىًامْسَى وتِكَّتُه مِنِّي على خَطَرِ
جَرَّدْتُ فيهِ جِنُودَ العَزْمِ وانْكَشَفَتْعنهُ غَيابتُها عَنْ نَيْكَةٍ هَدَرِ
سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْهُ كلُّ جَارِحةٍما فيكَ مِنْ طَمَحَانِ الأيْرِ وَالنَّظَرِ
أنتَ المقيمُ فما تَعْدُو رواحِلُهُوأَيْرُهُ أبداً منه على سَفَرِ
حدثني أحمد بن إسماعيل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلام الحسن لك، قال: لأن غلامي يجد عنده مالا يجد غلامه عندي، أنا أعطي ذاك قيلاً وقالاً، وهو يعطي غلامي مالاً. وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا.
حدثني أبو جعفر المهلبي قال، حدثني ابن أبي فننٍ قال: أنشد أبو تمامٍ محمد بن البعيث مدحاً له، وعند محمدٍ غلام خزري، ومع أبي تمام غلام رومي، فجعل محمد يلمحه، فقال أبو تمامٍ هذا الشعر الرائي، والأول أصح.
حدثني أبو الحسن الأنصاري قال، حدثني أبي وحدثني أبو الفضل الكاتب المعروف بفنجاخ قال: كان الحسن بن وهب يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات وهو يزر للواثق، وكان ابن الزيات قد وقف على ما بين الحسن بن وهبٍ وأبي تمامٍ في غلاميهما، فتقدم إلى بعض ولده، وكانوا يجلسون عند الحسن بن وهب، أن يعلموه خبرهما وما كان منهما، قالا: فعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك ويسأله التوجيه إليه بنبيذٍ، فوجه إليه بمائة دنٍ ومائة دينارٍ وخلعةٍ وبخورٍ، وكتب:
لَيْتَ شِعْري يا أمْلَحَ النَّاسِ عِنْديِهلْ تَدَاوَيْتَ بالحِجَامَةِ بعْدِي؟
دَفَعَ اللهُ عنْكَ ليِ كُلَّ سُوءٍبَاكرٍ رائحٍ وإنْ خُنْتَ عَهدِي
قدْ كتَمْتُ الهوى بمبلغِ جَهْدِيفَبَدا مِنه غَيْرُ ما كنتُ أُبْدِي
وَخَلعْتُ العِذارَ فلْيعْلَمِ النَّاسُ بأنِّي إِيَّاكَ أُصْفِي بُودِّي
وليَقُولٌوا بما أَحَبُّوا وإن كُنْتَ وَصُولاً ولم تَرُعْنِي بصَدِّ
منْ عَذِيرِي مِنْ مُقْلَتَيْكَ ومِنْ إِشْرَاقِ ثَغْرٍ من تَحْتِ حُمْرَةِ خَدِّ؟
ووضع الرقعة تحت مصلاهُ، وبلغ محمد بن عبد الملك خبر الرقعة، فوجه إلى الحسن فشغله بشيءٍ من أمره، ثم أمر من جاءه بالرقعة، فلما قرأها كتب فيها على لسان أبي تمام:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ لَيْتَ شِعْرِكَ هذَاأَبِهَزْلٍ تَقُولُهُ أمْ بِجِدِّ؟
فَلَئنْ كُنتَ في المَقَالِ مُحِقاًيا ابْنَ وهْبٍ لَقَدْ تَطَرَّفْتَ بَعْدِي
وتَشبَّهْتَ بِي وكُنْتُ أرَى أَنِّي أنا العاشقُ المُتيَّمُ وَحْدِي
أَتْرُكُ القَصْدَ في الأُمُورِ ولَوْلاَعَثَرَاتُ الهَوَى لأَبْصَرْتُ قَصْدِي
لاَ أُحِبُّ الذي يَلومُ وإنْ كَانَ حَرِيصاً عَلَى هَلاَكِي وجهَدْيِ
وأحِبُّ الأخَ المُشَارِكَ في الحُبِّوإنْ لَمْ يكُنْ به مِثلُ وَجدْيِ
كنَدِيمَي أبي عَلَىٍ وَحَاشَالَندِيمي من مِثْلِ شِقوةِ جَدِّي
إنَّ مَوْلايَ عبدُ غيري ولَوْلاَشُؤْمُ جَدِّي لكانَ مَوْلاَيَ عَبْدِي
سَيّدي سَيّدي ومَوْلايَ مَنْ أَوْرَثَنِي ذِلَّةً وَأَضْرَعَ خَدِّي
ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا لله، افتضحنا والله عند الوزير! وأعلم أبا تمامٍ بما كان، ووجه إليه بالرقعة، قلقيا محمد بن عبد الملك وقالا له: إنما جعلنا هذين سبباً لتكاتبنا بالأشعار، فقال: ومن يظن بكما غير هذ؟ فكان قوله أشد عليهما.
حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: كنت عند دعبل بن علي أنا والعمروي سنة خمسٍ وثلاثين بعد قدومه من الشام، فذكرنا أبا تمامٍ، فجعل يثلبه ويزعم أنه يسرق الشعر، ثم قال لغلامه: يا نفنف، هات تلك المخلاة، فجاء بمخلاةٍ فيها دفاتر، فجعل يمرها على يده حتى أخرج منها دفتراً، فقال: اقرءوا هذا، فنظرنا فإذا في الدفتر: قال مكنف أبو سلمى من ولد زهير بن أبي سلمى، وكان هجا ذفافة العبسي بأبياتٍ منها:
إن الضُّرَاطَ به تَصاعَد جَدُّكمفَتعاظموا ضَرِطاً بَِني القَعْقَاعِ
قال: ثم رثاه بعد ذلك فقال:
أَبَعْدَ أبي العباسِ يُسْتَعْذَبُ الدَّهرُومَا بعْدَهُ للدَّهرِ حُسْنٌ ولا عُذْرُ
ألاَ أَيُّهَا النَّاعِي ذُفَافَةَ وَالنَّدَىتَعِسْتَ وشُلَّتْ مِنْ أَنامِلكَ العَشْرُ
أَتَنْعَى لنا منْ قَيْسِ عَيْلاَنَ صَخْرةًتَفَلَّقَ عنها مِن جبالِ العِدَى الصَّخرُ
إذا ما أَبو العبَّاسِ خَلَّى مَكانَهُفلا حَمَلَتْ أُنثَى ولا نالهَا طُهْرُ
ولا أَمطَرَتْ أَرْضاً سَماءٌ ولا جَرَتْنُجومٌ ولا لَذَّتْ لِشَارِبِها الخَمْرُ
كأَنَّ بني القَعْقَاعِ يومَ وَفاتِهنُجُومُ سَماءٍ خَرَّ مِن بَينَهَا البَدْرُ
تُوُفِّيَتِ الآمَالُ بعدَ وَفاتِهِوَأَصْبحَ في شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ
ثم قال: سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة، فأدخلها في شعره. وحدثني محمد بن موسى بهذا الحديث مرةً أخرى ثم قال: فحدثت الحسن بن وهبٍ بذلك، فقال لي: أما قصيدة مكنفٍ هذه فأنا أعرفها، وشعر هذا الرجل عندي، وقد كان أبو تمام ينشدنيه، وما في قصيدته شيءٌ مما في قصيدة أبي تمام، ولكن دعبلاً خلط القصيدتين، إذ كانتا في وزنٍ واحدٍ، وكانتا مرثيتين، ليكذب على أبي تمام.
حدثنا عبد الله بن الحسين قال، حدثني وهب بن سعيد قال: جاء دعبل إلى أبي علي الحسن بن وهبٍ في حاجةٍ بعد ما مات أبو تمام، فقال له رجل: يا أبا علي، أنت الذي تطعن على من يقول:
شَهِدْتُ لقَدْ أَقَوَتْ مَغَانيكُمُ بَعْدِيوَمَحَّتْ كما مَحَّتْ وشائِعُ مِن بُرْدِ
وَأَنْجَدْتُمُ مِنْ بَعْدِ إِتْهَامِ دَارِكمفيا دَمْعُ أَنْجِدْني عَلَى سَاكِني نَجْدِ
فصاح دعبل: أحسن والله، وجعل يردد:
فيا دَمْعُ أنجِدْني على ساكني نَجْدِ
ثم قال: ﵀، لو ترك لي شيئاً من شعره لقلت إنه أشعر الناس.
ولهذا الشعر خبر: حدثني عبد الله بن المعتز قال، جاءني محمد بن يزيد النحوي فاحتبسته، فأقام عندي، فجرى ذكر أبي تمام، فلم يوفه حقه؛ وكان في المجلس رجل من الكتاب نعماني، ما رأيت أحداً أحفظ لشعر أبي تمام منه، فقال له: يا أبا العباس، ضع في نفسك من شئت من الشعراء، ثم انظر، أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر إليه:
شَهِدْتُ لقَدْ أَقَوَتْ مَغَانيكُمُ بَعْدِيوَمَحَّتْ كما مَحَّتْ وشائِعُ مِن بُرْدِ
وَأَنْجَدْتُمُ مِنْ بَعْدِ إِتْهَامِ دَارِكمفيا دَمْعُ أَنْجِدْني عَلَى سَاكِني نَجْدِ
ثم مر فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار:
أَتانِي مَعَ الرُّكْبانِ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُلَفَفْتُ لَهْ رَأسي حَيَاءً مِنَ المَجْدِ
لقَدْ نَكَبَ الغَدْرُ الوفَاءَ بساحَتيِإِذَنْ، وسَرَحْتُ الذَّمَّ في مَسْرَحِ الحمدِ
جَحَدْتُ إذَنْ كم مِن يدٍ لَكَ شَاكلتْيدَ القُرْبِ أَعْدَتْ مُستَهَاماً عَلَى البُعْدِ
وَمِن زَمَنٍ أَلبسْتَنيهِ كأَنهُإذَا ذُكِرَتْ أَيامُهُ زَمَنُ الوَرْدِ
وكيفَ وَمَا أَخْلَلتُ بعدَك بالحِجَيوأنتَ فلم تُخْلِلْ بمَكْرمُةٍ بَعْدِي
أُسَرْبِلُ هُجْرَ القَوْلِ مَنْ لو هَجَوْتُهُإِذَنْ لهجانِي عنهُ معروُفُه عِنْدي؟
كَريمٌ متى أَمدحْهُ أَمدَحْهُ وَالْوَرَىمعي، ومتَى مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِي
فإِنْ يكُ جُرْمٌ عَنَّ أَوْ تَكُ هَفْوَةٌعَلَى خَطإٍ مِنِّي فَعُذْرِي عَلَى عَمْدِ
فقال أبو العباس محمد ين يزيد: ما سمعت أحسن من هذا قط، ما يهضم هذا الرجل حقه إلا أحد رجلين: إما جاهل بعلم الشعر ومعرفة الكلام، وإما عالم لم يتبحر شعره ولم يسمعه. قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: وما مات إلا وهو منتقل عن جميع ما كان يقوله، مقر بفضل أبي تمامٍ وإحسانه.
أما قوله:
أَأُلبِسُ هُجْرَ القَوْلِ مَنْ لو هَجَوْتُهُإِذَنْ لَهَجَانِي عَنْهُ معروفُه عِندي
فهو منقول من شعرٍ حسنٍ لا يفضله شعر.
حدثني محمد بن زكريا الغلابي قال، حدثني عبيد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عديٍ عن عوانة قال: أتى الحجاج بجماعةٍ من الخوارج من أصحاب قطريٍ، وفيهم رجلٌ كان له صديقاً، فأمر بقتلهم، وعفا عن ذلك الرجل ووصله وخلى سبيله، فمضى إلى قطري فقال له قطري: عاود قتال عدو الله الحجاج، فقال: هيهات! غل يداً مطلقها، واسترق رقبةً معتقها، ثم قال:
أَأُقَاتِلُ الحجَّاحَ عَنْ سُلْطَانِهِبِيَدٍ تُقِرُّ بأَنَّهَا مَوْلاَتُهُ
إِنِّي إِذَنْ لأَخُو الدَّناءَةِ والذيعَفَّتْ عَلَى إحْسَانِهِ جَهَلاَته
مَاذَا أَقُولُ إذَا وَقفْتُ إزَاءَهُفي الصَّفِّ واحْتَجّتْ لَهُ فَعَلاَتُهُ؟
أَأَقُولُ جَارَ عَلَىَّ؟ لا، إِنِّي إِذَنْلأَحَقُّ مَنْ جَارَتْ عَليْهِ وُلاَتُهُ
ويُحَدِّثُ الأَقْوامُ أَنّ صَنِيعَةًغُرِسَتْ لَدَىَّ فَحَنْظَلَتْ نَخَلاَتُهُ؟
هَذَا وَما طِبِّي بجُبْنٍ إِنَّنيفيكُمْ لِمطْرَقُ مَشْهَدٍ وَعَلاَتُهُ
وجدت بخط أحمد بن إسماعيل بن الخصيب أن محمد بن عبد الملك أوصل إلى الواثق قصيدةً لأبي تمامٍ يمدحه بها أولها:
وَأَبِى المَنازِلِ إِنَّهَا لَشُجُونُوَعَلَى الْعُجُومَةِ إِنّهَا لَتُبِينُ
فقرئت عليه، فلما بلغ إلى قوله:
جَاءَتْكَ من نظْمِ الِّلسانِ قِلاَدةٌسِمْطاَنِ فيهَا الُّلؤلُؤ المكْنُونُ
حُذَيِتْ حِذَاءَ الحَضْرَمِيَّةِ أُرْهِفَتْوأَجابَها التَّخْصِيرُ وَالتّلْسِينُ
إنْسِيَّةٌ وَحْشِيَّة كَثُرَتْ بَهاحَرَكاتُ أَهْلِ الأرضِ وَهْيَ سَكون
أمَّا المعانيِ فهْيَ أَبْكارٌ إِذَانُصَّتْ وَلَكنَّ الْقَوَافِيَ عُونُ
أَحْذَاكَهَا صَنَعُ الضّمِيرِ يَمُدُّهُجَفْرٌ إذَا نَضَبَ الكلاَمُ مَعِينُ
وَيُسِئُ بَالإحسَانِ ظَنّاً لا كَمَنْهُوَ بِابْنِهِ وبِشِعْرِهِ مَفْتُون
يَرْمِى بهِمِتَّهِ إلَيْكَ وَهَمِّهِأَمَلٌ لهُ أَبداً عَلَيْكَ حَرُون
وَلَعلَّ مَا يَرْجُوهُ مِمَّا لمْ يَكنْبِكَ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً سَيَكونُ
فقال: ادفع إليه مائتي دينارٍ، فقال محمد: إنه قوى الأمل واسع الشكر، قال: فأضعفها له. وقد روينا من غير هذه الجهة أنه أمر له بمائة ألف درهمٍ.
وأنشدني محمد بن داود لأبي تمامٍ في آل وهبٍ ما أستحسنه:
كلُّ شِعْبٍ كنتُمْ به آلَ وَهْبٍفَهْوَ شِعْبي وَشِعْبُ كلِّ أَدِيبِ
إِنَّ قَلْبي لكُمْ لكَاْلكَبِدِ الحَرَّى وقَلْبي لِغَيْركمُ كالقُلوبِ
ولو كان هذا البيت الثاني في مدح آل الرسول ﵈ والتفجع لما نالهم يوم كربلاء وبعده، لكان فيه أشعر الناس.
وقد روى مسعود بن عيسى قال، حدثني صالح غلام أبي تمام، المنشد كان لشعر أبي تمام، وكان حسن الوجه، قال: دخل أبو تمامٍ على الحسن بن وهبٍ، وأنا معه، وعلى رأسه جاريةٌ ظريفةٌ فأومأ إليها الحسن يغريها بأبي تمامٍ، فقالت:
يَا ابْنَ أَوْسٍ أَشْبَهْتَ في الفِسْقِ أَوْسَاوَاتَّخَذْتَ الغُلاَمَ إِلْفاً وَعِرْسَا
فقال أبو تمام:
أَبَرَقْتِ ليِ إذ لَيْسَ لِي بَرْقُفتَزَحْزَحِي مَا عِنْدَنَا عِشق
مَا كُنْتُ أَفْسُقُ وَالشَّبَابُ أَخِيأَفَحِينَ شِبْتُ يَجْوزُ لِي الفِسْقُ؟
لِي هِمَّةٌ عَنْ ذَاكَ تَرْدَعْنِيوَمُرَكَّبٌ مَا خَانَهُ عِرْقُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع