تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار أبي تمام» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

أخبار أبي تمام مع خالد بن يزيد الشيباني

" بسم الله الرحمن الرحيم " حدثنا محمد بن يزيد النحوي، وكان قد عمل كتباً لطافاً، فكنت أنتخب منها وأقرأ عليه، فقرأت عليه من كتابٍِ سماه كتاب - الفطنِ والمحَنِ - قال: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد، وإلى أرمينية، فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقةٍ لسفره، وأمره ألا يقيم إن كان عازماً على الخروج. فودعه ومضت أيام، فركب خالد ليتصيد، فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام بيده طنبور، فقال: حبيب؟ قال: خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال؟ فقال:

عَلَّمَني جُودُكَ السَّماحَ فَما أَبْقَيْتُ شَيْئاً لَدَىَّ مِنْ صِلَتِكْ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
مَا مَرَّ شَهْرٌ حَتىَّ سمَحْتُ بهِكأنّ ليِ قُدْرَةً كَمَقْدُرَتكْ
تُنْقِقُ في اليَوْمِ بِالْهِبَاتِ وفيالسَّاعَةِ مَا تَجْتَبِيِه في سَنَتِكْ
فلستُ أَدْرِي مِنْ أَينَ تُنفِقُ لَوْلاَ أَنَّ رَبِّى يَمُدُّ في هِبَتِكْ

فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها.

وكان قوله: - علمني جودكَ السماحَ - من قول ابن الخياط المديني، وقد امتدح المهدي فأمر له بجائزةٍ ففرقها في دار المهدي وقال:

لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبْتغِي الغِنَىوَلَمْ أَدْرِ أَنّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدي

فَلاَ أَنَا مِنْهُ ما أَفادَ ذَوُو الغِنَىأَفَدْتُ، وَأعْدَانِي فَبَدَّدْتُ ما عِنْدِي

فبلغ المهدي خبره، فأضعف جائزته، وأمر بحملها إلى بيته.

حدثني عبد الله بن إبراهيم المسمعي القيسي قال، حدثني أبي قال، حدثني أبو توبة الشيباني - ولم أر أفصح منه - قال: حضرت عشيرنا وأميرنا خالد بن يزيد، وعنده رجل كثير الفكاهة حسن الحديث، فأعجبني جداً، فقال الأمير أبو يزيد: أما سمعت شعره فينا؟ ما رأيت أحسن بياناً منه، ولا أفصح لسانا!

مَا لِكَثيبِ الحِمَى إلى عَقِدِهْمَا بالُ جَرْعَائِهِ إلى جَرَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»

إلى أن قال:

نِعْمَ لِوَاءُ الخَميسِ أُبْتَ بهِيَوْمَ خَمِيسٍ عَالِي الضُحَى أَفِدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
خِلْت عُقاباً بَيْضَاءَ فيِ حُجُراتِ المُلْكِ طارَتْ منه وفي سُدَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
فَشَاغَب الجوَّ وَهْوَ مَسْكَنُهُوقاتَلَ الرِّيحَ وَهْيَ مِنْ مَدَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
وَمرَّ تَهْفُو ذُؤابَتَاهُ عَلَىأَسْمَرِ مَتْنٍ يَوْمَ الوَغَى جَسِدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
تَخْفِقُ أَثْنَاؤُهُ عَلَى مَلِكٍيَرَى طِرَادَ الأبْطَالِ من طَرَدِهْ
وهَلْ يُسَاميِكَ في العُلاَ مَلِكٌصَدْرُكَ أَوْلَى بالرُّحْبِ من بَلَدِهْ؟
أَخْلاَقُكَ الغُرُّ دُونَ رَهْطِكَ أَثْرَى مِنهُ في رَهْطِهِ وَفيِ عَدَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»

فما سمعت مثل قوله، وطربت فرحا أن يكون من ربيعة، فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من طيئ، وولائي لهذا الأمير، فقلت: يا أسفي ألا تكون ربعياً أو نزارياً، ثم أمر له الأمير أبو يزيد بعشرة آلاف درهم بيضاً، ووالله ما كافأه. وفي هذه القصيدة ذكر شفاعة خالدٍ إلى ابن أبي دؤاد فيما تقدم ذكره، فقال:

باللهِ أَنْسَى دِفَاعَهُ الزُّورَ مِنْعَوْرَاءَ ذي نَيْرَبٍ ومِنْ فَنَدِهْ
وَلاَ تناسَى أحيَاءُ ذيِ يَمَنٍمَا كانَ مِنْ نصْرِهِ ومِنْ حشَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
آثَرَنِي إذْ جَعَلْتُهُ سَنَداًكلُّ امْرِئٍ لاَجئٌ إلى سَنَدِهْ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»

حدثني أبو بكر القنطري قال، حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: كان خالد بن يزيد الشيباني بقية الشرف والكرم، وأوسع الناس صدراً في إعطاء الشعراء. دفع إلى عمارة بن عقيل ألف دينار لقوله فيه:

تَأْبَى خلائقُ خالدٍ وَفَعَالُهُإلا تَجنُّبَ كلِّ أَمْرٍ عائبِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تأبى خلائق خالد وفعاله»
وإذا حَضَرْنَأ الْبَابَ عِنْدَ غَدَائِهأَذِنَ الغَدَاءُ لَنَا برَعْمِ الحاجِبِ
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

قال: وأخذ أبو تمام بمدحه له أضعاف هذا.

وجدت بخط ابن أبي سعيد، حدثني إسماعيل بن مهاجر قال، حدثني وكيل للحسن بن سهل يعرف بالبلخي قال: استنشد خال بن يزيد أبا تمام قصيدته في الأفشين التي ذكر فيها المعتصم وأولها:

غَدَا المُلْكُ مَعْمُورَ الحَرَا وَالمْنَازِلِمُنَوَّرَ وَحْفِ الَّروْضِ عَذْبَ المَنَاهِلِ

فلما بلغ إلى قوله:

تَسَربَلَ سِرْبالاً مِنَ الصَّبْرَ وارْتَدَيعَليهِ بِعَضْبٍ في الكَريهِة قَاصِلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أَعْلاَمِهِ ضُحىًبِعِقْبَانِ طَيْرٍ في الدِّمَاءِ نَوَاهِلِ

أَقَامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كأَنَّهَامِنَ الجَيشِ إلاّ أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

قال له خالد: كم أخذت بهذه القصيدة؟ قال: ما لم يرو الغلة، ولم يسد الخلة. قال: فإني أثيبك عنها، قال: ولم ذاك، وأنا أبلغ الأمل بمدحك؟ قال: لأني آليت لا أسمع شعراً حسناً مدح به رجل فقصر عن الحق فيه إلا نبت عنه. قال: فإن كان شعراً قبيحاً؟ قال: أنظر فإن كان أخذ شيئاً استرجعته منه!.

وقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى وزاد على الناس بقوله: - إلا أنها لم تقاتل -، وقد قال مسلم قبله:

قد عَوَّدَ الطيَر عاداتٍ وَثقْنَ بِهافهُنَّ يَتْبعْنَهُ في كلِّ مُرْتَحَلِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وأحسن من هذا قول أبي نواس في العباس بن عبيد الله:

وَإِذَا مَجَّ القَنَا عَلَقاًوتَرَاءَى الموتُ في صُوَرِهُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»
رَاحَ في ثنيْ مُفَاضَتِهِأَسَدٌ يَدْمَى شَبَا ظُفُرِهْ
تَتآيَا الطَّيرُ غَدْوَتَهُثِقَةً بِالشِّبْعِ مِنْ جَزَرِهْ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

ولا أعلم أحداً قال في هذا المعنى أحسن مما قاله النابغة، وهو أولى بالمعنى، وإن كان قد سبق إليه، لأنه جاء به أحسن. وقد ذكرنا شريطة السرقات قبل هذا، قال النابغة:

إِذَا ما غَدَوْا بالجيشِ حَلَّق فوقَهمُعَصَائِبُ طَيْرٍ تَهْتدِي بَعصائِبِ
جَوَانحَ قد أَيْقَنَّ أَنَّ قَبيلَهُإِذا مَا الْتَقَى الْجَمْعانِ أوَّلُ غالبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وهو من قول الأفوه الأودي في قصيدةٍ أولها:

يا بَنيِ هَاجَرَ سَاءَتْ خُطَّةُأَنْ تَرُومُوا النِّصْفَ مِنَّا وَمَحَارْ
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

فقال فيها:

فَتَرى الطَّيْرَ على آثارِنَارَأىَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ سَتُمارُ

الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخبار أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.