من «أخبار أبي تمام» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار لأبي تمام متفرقة
حدثني أبو جعفر أحمد بن يزيد المهلبي قال، حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه - وكان ابن مهرويه هذا يسمع معنا من المغيرة بن محمد المهلبي وغيره بالبصرة، ولم أسمع منه شيئاً عن الحمدوي - قال: سمعت أبا تمامٍ يقول: أنا كقولي:
نَقِّلْ فُؤادَكَ حيثُ شِئْتَ مِن الهَوَىما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأَولِ
كم مَنْزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفَتَىوحَنينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنْزِلِ
وحكى محمد بن داود هذا الشعر في كتابه وقال: أخذه من قول ابن الطثرية:
أَتانِي هَوَاها قبلَ أنْ أعرِفَ الهَوىفصادَفَ قلباً فارِغاً فتَمَكَّنَا
وهو عندي بقول كثيرٍ أشبه، ومنه أخذه:
إذا وصَلَتْنَا خُلَّةٌ لِتُزِيِلَهاأَبَيْنَا وقُلْنَا: الحَاجِبِيَّةُ أوَّلُ
وهو يتعلق أيضاً بما قاله من جهةٍ: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال، حدثنا أبي قال: أنشدت يوماً لجرير:
وما زَالَ معْقُولاً عِقَالٌ عَن النَّدىوما زَالَ مَحبُوساً عَنِ الخَيْرِ حَابِسُ
حكى محمد بن داود أن أبا عبد الله أحمد بن محمد الخثعمي الكوفي قال لأبي تمامٍ وقد اجتمعا فقام أبو تمام إلى الخلاء: أتدخلك؟ فقال: نعم، لا نحملك.
حدثني أحمد بن موسى قال: أخبرني أبو الغمر الأنصاري عن عمرو بن أبي قطيفة قال: رأيت أبا تمام في النوم فقلت له: لم ابتدأت بقولك:
كَذَا فَلْيجِلَّ الخطْبُ وليَفْدَحِ الأَمْرُ
فقال لي: ترك الناس بيتاً قبل هذا، إنما قلت:
حَرامٌ لَعْينٍ أنْ تَجِفَّ لَهَا شُفرُوَأَنْ تَطْعَم التَّغْميِضَ مَا أَمْتَعَ الدهرُ
كذا فليجل ...
حدثني علي بن الحسن الكاتب قال: الذي يقول فيه أبو تمام:
يَاسَمٍيَّ النبِيِّ في سُورَةِ الجنِّويا ثانيَ العزيزِ بِمْصرِ
هو عبد الله بن يزيد بن المهلب الطرهباني، من أهل الأنبار، كاتب أبي سعيد الثغري، ثم كتب بعده لابنه يوسف.
حدثني ابن المتوكل القنطري قال: دخل أبو تمام إلى نصر بن منصور، فأنشده مدحاً له، فلما بلغ إلى قوله:
أَسَائِلَ نَصْرٍ، لاَ تَسَلْهُ، فَإنَّهُأَحَنُّ إلى الإِرْفَادِ مِنْكَ إلى الرِّفْدِ
قال له نصر: أنا والله أغار على مدحك أن تضعه في غير موضعه، ولئن بقيت لأحظرن ذلك إلا على أهله، وأمر له بجائزةٍ سنيةٍ وكسوة. قال: فمات نصر بعد ذلك في شوال سبعٍ وعشرين ومائتين.
حدثنا أحمد بن إسماعيل قال، حدثني من سأل أبا تمام عن قوله:
غُرْبَةٌ تقَتْدَي بِغُرْبِة قَيْس بْنِ زُهَيْرٍ وَالحارِثِ بن مُضَاضِ
فقال: أما غربة قيس بن زهير العبسي فمشهورة، وهذا الحارث بن مضاض الجرهمي زوج سيدة من إسماعيل بن إبراهيم، ثم تحدث بحديثٍ طويلٍ، قد ذكرناه في شعره عند هذا البيت.
حدثني محمد بن البربري قال، حدثني الحسن بن وهبٍ قال: قلت لأبي تمام: أفهم المعتصم بالله من شعرك شيئاً؟ قال: استعادني ثلاث مراتٍ:
وَإنَّ أَسْمَجَ مَنْ تشْكُو إليْهِ هَوىًمَنْ كانَ أحْسَنَ شَيءٍ عِندَهُ العَذَلُ
واستحسنه، ثم قال لابن أبي دؤاد: يا أبا عبد الله، الطائي بالبصريين أشبه منه بالشاميين.
حدثنا أبو عبد الله الألوسي قال، أخبرني أبو محمد الخزاعي المكي صاحب - كتاب مكة - عن الأزرقي قال: بلغ دعبلاً أن أبا تمامٍ هجاه عندما قال قصيدته التي رد فيها على الكميت وهي:
أَفِيِقي مِن مَلاَمِكِ يا ظَعِينَاكَفَاكِ اللّوْمَ مَرُّ الأرْبَعينَا
فقال أبو تمام:
نَقَضْنَا لِلْحطَيْئَةِ أَلْف بَيْتِكَذَاكَ الحيُّ يَغْلبُ أَلفُ مَيْتِ
وذَلكِ دِعْبلٌ يرجوُ سَفَاهاًوَحمُقاً أنْ ينَالَ مَدىَ الكُمَيْتِ
إذا مَا الحيُّ نَاقَضَ جِذْمَ قَبْرٍفَذَلكُمُ ابنُ زَانِيَةٍ بِزَيْتِ
وأن دعبلاَ قال لما بلغته هذه الأبيات:
يا عَجَبَا مِنْ شاعرٍ مُفْلِقٍآبَاؤُهُ في طَيِّئٍ تَنْمِي
أُنْبِئْتُهُ يَشْتِمُ مِنْ جَهْلِهِأُمِّي، وَمَا أَصْبَحَ مِنْ هَمي
فَقُلْتُ: لكنْ حَبَّذَا أُمُّهُطَاهِرَةٌ زَاكِيَةٌ عِلْمِي
أَكْذِبُ وَاللهِ عَلَى أُمِّهِكَكِذْبِهِ أيضاً عَلى أُمِّي!
وقد رويت هذه الأبيات التائية لأبي سعد المخزومي، ورويت الأبيات الميمية لغير دعبلٍ في أبي تمام.
وزعم ابن داود أن محمد بن الحسين حدثه قال: زار الحسن بن وهبٍ وأبو تمام، أبا نهشل بن حميدٍ، فقال أبو تمام وقد جلسوا:
أعَضَّكَ اللهُ أَبَا نَهْشَلِ
ثم قال للحسن: أجز، فقال:
بِخّدِّ رِيمٍ شَادِنٍ أَكْحَلِ
ثم قال لأبي نهشل: أجز، فقال:
يُطمِعُ في الوصْلِ فإن رُمْتَهُصَارَ مَعَ العَيًّوقِ في مَنْزِلِ
حدثنا ميمون بن هرون قال، حدثني صالح غلام أبي تمام قال: غضب على أبو تمام فكتبت إليه بهذا الشعر، وهو أول شعر قلته قط:
إذَا عاقَبْتَنِي في كلِّ ذَنبٍفما فضْلُ الكرِيمِ عَلَى اللَّئيمِ؟
فإِنْ تكُنِ الحوادِثُ حَرَّكَتْنِيفإنَّ الصَّبْرَ يَعْصِفُ بالهُمُوم
فجاءني إلى الموضع الذي كنت فيه فترضاني.
وجدت بخط عبد الله بن المعتز: صار أبو تمام إلى أحمد بن الخصيب في حاجةٍ له أيام الواثق، فأجلسه إلى أن أصابته الشمس، فقال:
تغَافلَ عنَّا أحمدٌ مُتَنَاسِياًذِمَامَ عُهُودِ المدْحِ والشُّكْرِ والحمْدِ
نَمُوتُ مِنَ الحَرِّ المُبَرِّحِ عِنْدَهُوحاجاتُنَا قَدْ مِتْنَ من شِدَّةِ البَرْدِ!
حدثني أبو ذكوان قال، حدثني عمك أحمد بن عبد الله طماس قال: كنت عند عمي إبراهيم بن العباس، فدخل عليه رجل فرفعه حتى جلس إلى جانبه أو قريباً، ثم حادثه إلى أن قال له: يا أبا تمام، ومن بقي ممن يعتصم به ويلجأ إليه؟ فقال: أنت فلا عدمت، قال: وكان إبراهيم تاماً فأنشده:
يَمُدُّ نِجادَ السَّيفِ حَتى كأَنَّهُبأَعْلَى سَنَامَيْ فَالِجٍ يتَطَوَّحُ
وَيُدْلِجُ في حاجَاتِ مَنْ هُو نَائمٌوَيُورِي كَريَماتِ النَّدَى حِينَ يَقْدَح
إذَا اعْتَمَّ بالبُردِ اليَمَانِيِّ خِلْتَهْهِلاَلاً بدَا في جَانِبِ الأُفْقِ يَلْمَحُ
يَزيِدُ عَلَى فَضْلِ الرِّجالِ فَضِيلَةًوَيَقْصُرُ عَنْهُ مَدْحُ مَنْ يَتَمَدَّحُ
فقال له: أنت تحسن قائلاً وراوياً ومتمثلاً، فلما خرج تبعته، فقلت: أمل على هذه الأبيات، فقال: هي لأبي الجويرية العبدي يقولها للجنيد بن عبد الرحمن فأخرجتها من شعره.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. مصادر الموقع