تجاوز إلى المحتوى

من «الموشح» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

١٧- عمر بن أبى ربيعة

حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى سعبد البزاز قال: أخبرنا إسحاق بن محمد النخعى، قال: حدثنى ابن أخى الأصمعى، عن عمه، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلق عليه إلا بحرف واحد قوله:

ثم قالوا تحبها قلت بهراعدد القطر والحصى والتراب

وكان ينبغى أن يقول: أتحبها؛ لأنه استفهام. قال: وقوله بهرا؛ أى تعسا.

وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن الأصمعى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد. قال أبو عمرو: له وجه إن أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، وهو قوله:

حين قالوا تحبها قلت بهراعدد القطر والحصى والتراب

ولم يقل أتحبها. وقد روى بعض الرواة أنه إنما قال:

قيل لى هل تحبّها قلت بهرا

وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال حدثنا ثعلب، قال: قال الأصمعى: قال

أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد وله وجه: قوله فى الاستفهام:

ثم قالوا تحبها قلت بهرا

ولم يقل أتحبّها.

قال ثعلب: وقال ابن الأعرابى فى هذا البيت: وقوله «بهرا» بهركم الله، أتظنّون أنى ليس كذا. قال: وقال غيره: عجبا لكم! كيف تظنّون غير هذا! وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا التّوزى، عن أبى عمر الأسدى؛ قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر بن أبى ربيعة حجة فى العربية ما أخذ عليه شىء إلا قوله: ثم قالوا تحبها ... البيت. وله فيه عذر إن أراد الخير لا الاستفهام، كأنه قال: أنت تحبها على جهة الإخبار، فوكّد هو إخبارها بقوله، فهذا أحسن. «وبهرا» يجوز أن يكون أراد نعم حبّا بهرنى بهرا، ويكون بمعنى عقرا وتعسا؛ دعا عليهم إذ جهلوا من حبّه لها مالا يجهل مثله. وأنشد أبو عمرو:

لحى الله قومى إذ يبيعون مهجتىبجاوبة بهرا لهم بعدها بهرا

قال أبو عمرو: ويكون بهرا بمعنى حبّا ظاهرا، من قولهم قمر باهر.

وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن الأصمعى، قال: أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية وما تعلّق عليه إلا بهذا الحرف الواحد. قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغى أن يقول: أتحبها. قال على بن يحيى: وقال إسحاق الموصلى: «قلت بهرا» أى عقرا وتعسا، دعا عليهم؛ وأنشد:

لحى الله قومي إذ يبيعون مهجتىبجارية بهرا لهم بعدها بهرا

قال على: وقال الأصمعى: بهرا، أى ظاهرا، من قولهم: القمر الباهر.

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سئل أبو العباس ثعلب عن بيت عمر هذا، فقال:

قال الفراء: بهرا عجبا. قال: وقال غيره: بهركم الله أى غلبكم الله. وقال بعضهم:

هو من الابتهار، والابتهار أن يقول فعلت بفلانة ولم يفعل.

أخبرنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على، قال: حدثنى محمد بن سعد الكرانى، عن ابن عائشة، عن أبيه، قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبى ربيعة قال: تهامىّ إذا أنجد وجد البرد. حتى سمع قوله:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

وذكر منها أبياتا. فقال جرير: ما زال يهذى حتى قال شعرا.

حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلام، عن حرير أبى الحصين المدينى، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قالا: لما حجّ عبد الملك بن مروان لقيه عمر بن أبى ربيعة بالمدينة، فقال له عبد الملك: لا حيّاك الله يا فاسق. قال: بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول الشحط. فقال له:

يا فاسق، ذاك لأنك أطول قريش صبوة، وأبطؤها توبة. ألست القائل:

ولولا أن تعنّفنى قريشمقال الناصح الأدنى الشفيق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أحب لحب عبلة كل صهر»
لقلت إذا التقينا قبّلينىولو كنّا على ظهر الطريق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أحب لحب عبلة كل صهر»

اغرب. وزاد مصعب فى حديثه: فقال عمر: بئست تحية ابن العم. فاستحيى عبد الملك، وقضى حوائجه.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا

مصعب بن عبد الله الزبيرى، قال: حجّ سليمان بن عبد الملك، فلما قدم مكة أرسل إلى عمر بن أبى ربيعة فقال: ألست القائل:

وكم من قتيل لايباء به دمومن غلق رهنا إذا ضمّه منى
وكم مالئ عينيه من شىء غيرهإذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
فلم أر كالتّجمير منظر ناظرولا كليالى الحجّ أقتلن ذاهوى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وكم من قتيل لا يباء به دم»

قال: نعم. قال: لاجرم، والله لا تحجّ مع الناس العام. وأخرجه إلى الطائف حتى قضى الناس حجّهم.

كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت أبا عبيدة، وما حكه عبد الله بن عمرو أبو العتبى فى عمر بن أبى ربيعة- فعاب أبو عبيدة شعره، وقال: قال بيتا هو فى أوله قاص وفى آخر مخنث:

أدخل الله ربّ موسى وعيسىجنة الخلد من ملانى خلوقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أدخل الله رب موسى وعيسى»
مسحته من كفّها بردائىحين طفنا بالبيت مسحا رفيقا

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن عبد الله بن شبيب، عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: قال ابن أبى عتيق لعمر بن أبى ربيعة فى قوله:

بينما ينعتننى أبصرننىدون قيد الميل يعدو بى الأغر
قالت: أتعرفن الفتى قلن نعمقد عرفناه وهل يخفى القمر

أنت لم تنسب بها، إنما نسبت بنفسك؛ إنما كان ينبغى أن تقول: قلت لها، فقالت لى، فوضعت خدّى فوطئت عليه.

حدثنى على بن هارون، قال: أنشدنى المفضّل بن سلمة لعمر بن أبى ربيعة:

عاود القلب بعض ما قد شجاهمن حبيب أمسى هواه هواه
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عاود القلب بعض ما قد شجاه»
ما ضرارى نفسى بهجرة من ليس مسيئا ولا بعيدا نواه
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عاود القلب بعض ما قد شجاه»
واجتنابى بيت الحبيب وماالخلد بأشهى إلىّ من أن أراه
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عاود القلب بعض ما قد شجاه»

قال: وكان المفضّل يضع من شعر عمر فى الغزل، ويقول: إنه لم يرقّ كما رقّ الشعراء؛ لأنه ماشكا قطّ من حبيب هجرا، ولا تألّم لصدّ؛ وأكثر أوصافه لنفسه وتشبيبه بها، وأنّ أحبابه يجدون به أكثر مما يجد بهم، ويتحسرون عليه أكثر مما يتحسر عليهم؛ ألا تراه فى هذا الشعر- وهو من أرقّ أشعاره- قد ابتدأه بذكر حبيب هواه هواه، ووصف أنه هو هجره من غير إساءة، واجتنب بيته مع قربه، وفى غير ذلك يقول:

قد عرفناه وهل يخفى القمر

يصف وصفهنّ إياه بالحسن. ويقول:

قالت لقيّمها وأذرت عبرةمالى ومالك يا أبا الخطّاب
أطمعتنى حتى إذا أوردتنىحلأتنى ولم استتمّ شرابى

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال:

كتب إلىّ عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب يقول: حدثتنى عمتى عوضة بنت النصيب أنّ أباها جلس مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع بودّان، فقال له إبراهيم: يا أبا محجن، ألا تخبرنا عنك وعن أصحابك؟ قال: بلى، جميل أصدقنا شعرا، وكثيّر أبكانا على الظّعن، وابن أبى ربيعة أكذبنا، وأنا أقول ما أعرف.

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنى عطّاف بن خالد الوابصى، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبى ربيعة:

وغاب قمير كنت أرجو غيوبهودوحّ رعيان ونوّم سمّر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

فقال: ماله قاتله الله! لقد صغّر ما عظمه الله ﷿؛ قال: «والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم».

وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مخلد بن مالك الحرّانى، قال: حدثنا عطاء بن خالد، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: سمع سعيد بن المسيب رجلا يتمثّل هذا البيت، فقال سعيد: قاتله الله! صغر ما عظّم الله؛ قال الله ﷿: «والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم». وقال: كان يقال: لا تقولوا مسيجد ولا مصيحف، وما كان لله ﷿ فهو عظيم حسن جميل.

أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن إسحاق بن سلام، قال: أتى عمر بن أبى ربيعة الفرزدق فأنشده من شعره، وقال: كيف ترى شعرى؟ قال: أرى شعرا حجازيّا إن أنجد اقشعّر. فقال له: حسدتنى. فقال: يابن أخى، علام أحسدك؟ أنا والله أعظم منك فخرا، وأحسن منك شعرا، وأعلى منك ذكرا. ثم قال:

أصبحت يابن أبى ربيعة حقّةسمعت هدير مسدّم مقروم
ولقد خزمتك والخزام مذلّةولذلّها دعيت بنى مخزوم
أىّ العشائر يابن ألأم من مشىفى الجاهلية لم تدن لتميم
ولقد علمت فلا تكن فى غرّةأن ليس قتل سراتكم بعظيم
لولا دفاع بنى أمية عنكمألقت كلاكلها عليك قرومى

قال أبو عبيد الله: قوله حقّة: الحقة من النوق التى قد استحقّت أن يحمل عليها.

والمقروم والقرم: الذى يتخذ للفحلة، فإذا قيل للرجل قرم فإنما يراد به التعظيم والمسدّم:

الممنوع من الضّراب وهو السّدم، ومن عادة العرب أن ترسل الفحل النجيب فيضرب فى النوق.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من [ثانيا] : الشعراء الإسلاميون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.