من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
أَبُو الطّيب الطاهري
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هُوَ طَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر من أشعر أهل خُرَاسَان وأظرفهم وأجمعهم بَين كرم النّسَب ومزية الْأَدَب إِلَّا أَن لِسَانه كَانَ مقراض الْأَعْرَاض فَلَا تزَال تخرج من فِيهِ الْكَلِمَة يقطر مِنْهُ دَمه وتتبرأ مِنْهُ نَفسه
وَكَانَ وَقع فِي صباه فِي شرذمة من أهل بَيته إِلَى بُخَارى فَارْتَبَطَ بهَا وَردت عَلَيْهِ ضيَاع نفيسة للطاهرية فتعيش بهَا وَكَانَ يخْدم آل سامان جَهرا ويهجوهم سرا
ويطوي على بغض شَدِيد لَهُم
ويتمنى زَوَال ملكهم وَزَوَال أَمرهم لما يرى من ملك أسلافه فِي أَيْديهم
وَيَضَع لِسَانه حَيْثُ شَاءَ من ثلبهم وذم وزرائهم وأركان دولتهم وهجاء بُخَارى مقرّ حَضرتهمْ ومركز عزهم
فَحَدثني أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْمَاعِيل الْحَرْبِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْفَارِسِي يَقُول فِي يَوْم من أَيَّام وُرُوده نيسابور على ديوانها إِن أَصْحَاب أَخْبَار السِّرّ كَانُوا ينهون إِلَى كل من الأميرين الشَّهِيد والسعيد فِي أيامهما مَا يقدم عَلَيْهِ هَذَا الطاهري من هجائهما فيغضبان عَلَيْهِ ويهبان جرمه لأصله وفضله ويتذممان من قتل مثله فَدخل يَوْمًا على السعيد نصر بن أَحْمد فهش لَهُ وَبسطه وحادثه ثمَّ قَالَ لَهُ فِي عرض الحَدِيث يَا أَبَا الطّيب حَتَّى مَتى تَأْكُل خبزك بلحوم النَّاس فَنَكس رَأسه حَيَاء ثمَّ قَامَ يجر ذيل خجل ووجل
وَلم يعد لعادته فِي التولع بِهِ
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّاء وَمِمَّا يحْكى من كَلِمَات السعيد الوجيزة الدَّالَّة على فَضله وَكَرمه قَوْله لأبي غَسَّان التَّمِيمِي وَقد حمل إِلَى حَضرته فِي يَوْم المهرجان كتابا من تأليفه مَا هَذَا يَا أَبَا غَسَّان قَالَ كتاب أدب النَّفس قَالَ فَلم لَا تعْمل بِهِ وَكَانَ أَبُو غَسَّان من الأدباء الَّذين يسيئون آدابهم فِي الْمجَالِس وَمن ملح هجاء أبي الطّيب للشهيد قَوْله
طَال غَزْو الْأَمِير للبط حَتَّىمَاله عَن عداته إقفال
فهنيئا لَهُ هَنِيئًا مريئاكل قرن لقرنه قتال
وَقَوله
بُخَارى من خرى لَا شكّ فِيهِيعز بربعها الشَّيْء النَّظِيف
فَإِن قلت الْأَمِير بهَا مُقيمفَذا من فَخر مفتخر ضَعِيف
إِذا كَانَ الْأَمِير خرا فَقل ليأَلَيْسَ الخرء مَوْضِعه الكنيف
وَهُوَ أول من هجا بُخَارى وذمها وَوصف ضيقها ونتنها حَتَّى اقْتدى بِهِ غَيره فِي ذكرهَا فَقَالَ أَبُو أَحْمد بن أبي بكر
لَو الْفرس الْعَتِيق أَتَى بُخَارىلصار بطبعه فِيهَا حمارا
فَلم تَرَ مثلهَا عَيْني كنيفاتبواه أَمِير الشرق دَارا
وَقَالَ ويروى لأبي الطّيب
بُخَارى كل شَيْءمِنْك يَا شوهاء مقلوب
قُضَاة النَّاس ركابفَلم قاضيك مركوب
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور العبدوي
إِذا مَا بِلَاد الله طَابَ نسيمهاوفاحت لَدَى الأسحار ريح البنفسج
رَأَيْت بُخَارى جيفة الأَرْض كلهَاكَأَنَّك مِنْهَا قَاعد وسط مخرج
فيا رب أصلح أَهلهَا وانف نتنهاوَإِلَّا فعنها رب حول وَفرج
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الخزرجي ويروى لأبي أَحْمد
فقحة الدُّنْيَا بُخَارىوَلنَا فِيهَا اقتحام
ليتها تفسو بِنَا الْآنفقد طَال الْمقَام
وَقَالَ الغربيامي
مَا بَلْدَة منتة من خراوَأَهْلهَا فِي جوفها دود
تِلْكَ بُخَارى من بخار الخرىيضيع فِيهَا الند وَالْعود
وَقَالَ أَبُو عَليّ السَّاجِي
بَاء بُخَارى فاعلمن زائدهوَالْألف الأولى بِلَا فائده
فَهِيَ خرا مَحْض وسكانهاكالطير فِي أقفاصها آبده
وَقَالَ الْحسن بن عَليّ المروروذي
أَقَمْنَا فِي بُخَارى كارهيناوَنخرج إِن خرجنَا طائعينا
فأخرجنا إِلَه النَّاس مِنْهَافَإِن عدنا فَإنَّا ظالمونا
وَقَوله من قصيدة
أودى مُلُوك بني ساسان وانقرضواوَأصْبح الْملك مَا يَنْفَكّ ينْتَقض
أضحت إمارتهم فيهم وجوهرهمعبيدهم وهم فِي عرضهَا عرض
فليبك من كَانَ مِنْهُم باكيا أبدافَمَا لما فاتهم من ملكهم عوض
من لَان مرقده فالدهر مبدلهعَنهُ فراشا لَهُ من تَحْتَهُ قضض
هاتيك عَادَته فِيمَن تقدمهموكل مُرْتَفع يَوْمًا سينخفض
دعهم إِلَى سقر واشرب على طربفالفجر فِي الْأُفق الغربي معترض
غَدا الرّبيع علينا وَالنَّهَار بِهِيَمْتَد منبسطا وَاللَّيْل منقبض
والنور يضْحك فِي خضر البنان ضحىوالبرق مبتسم والرعد مؤتمض
وقوضت دولة قد كنت أكرههاوَزَالَ مَا كَانَ مِنْهُ الْهم وَالْمَرَض
إِن أَنْت لم تصطبح أَو تغتبق فَمَتَىالْآن بَادر فَإِن اللَّهْو مفترض
وَمن عَجِيب مَا يحْكى عَن أبي الطّيب أَنه كتب إِلَى أَخِيه أبي طَاهِر الطّيب بن مُحَمَّد بن طَاهِر بكرَة يَوْم الرام بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
وَإِنِّي والمؤذن يَوْم راملمختلفان فِي هذي الْغَدَاة
أنادي بالصبوح كه كياداإِذا نَادَى بحي على الصَّلَاة
وَإِذا برَسُول أبي طَاهِر جَاءَهُ قبل وُصُول رقعته برقعة فِيهَا
وَإِنِّي والمؤذن يَوْم راملمختلفان فِي هَذَا الصَّباح
أنادي بالصبوح كه كياداإِذا نَادَى بحي على الْفَلاح
وَكَانَ التقاء رسوليهما بالرقعتين فِي منتصف الطَّرِيق
وَمن سَائِر شعر أبي الطّيب قَوْله فِي السعيد نصر بن أَحْمد
قَدِيما جرت للنَّاس فِي الْكتب عَادَةإِذا كتبوها أَن يعادلها الصَّدْر
وَأول هَذَا الْأَمر كَانَ افتتاحهبنصر وَإِن ولى فآخره نصر
وَمِمَّا يستحسن من شعره ويغني بِهِ وَيَقَع فِي كل اخْتِيَار قَوْله
خليلي لَو أَن هم النُّفُوسدَامَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا قتل
وَلَكِن شَيْئا يُسمى السرُورقَدِيما سمعنَا بِهِ مَا فعل
وناوله غُلَام لَهُ باقة نرجس فَقَالَ فِيهِ
لما أطلنا عَنهُ تغميضاأهْدى لنا النرجس تعريضا
فدلنا ذَاك على أَنهقد اقتضانا الصفر والبيضا
وَمن ملحه قَوْله فِي الجبهاني من ضادية
تقلدت بالوسواس صرفا وزرتنافزدت بهَا تيها عَليّ عريضا
وَلست بزاو عَنْك ودا عهدتهوَلَا قَائِل مَا عَنهُ مَرِيضا
فَمَا كَانَ بهْلُول مَعَ الشتم والخناوَقذف النِّسَاء الْمُحْصنَات بغيضا
وَقَوله فِي مَعْنَاهُ
وَلست بِشَيْء من جفائك حافلاوَلَا من أَذَى جرعتنيه مغيظا
فأطيب أَحْوَال المجانين مَا رمواوزنوا وعاطوك الْكَلَام غليظا
وَكَانَ أَبُو ذَر الْحَاكِم البُخَارِيّ عرضة لهجائه فَقَالَ فِيهِ من قصيدة
أُفٍّ للدهر أُفٍّ لَهُقد أَتَانَا بمعضله
بِأبي ذَر الَّذِيكَانَ ملقى بمزبله
كلما بَات لَيْلَةوإسته فِيهِ مهمله
بَات يقرا إِلَى الصَّباحوبئر معطله
وَقَوله فِي ابْنه
لأبي ذَر بنيطفس لَا كَانَ ذَا ابْنا
فَهُوَ لَا يقْرَأ من الْقُرْآنإِلَّا والنا
وَقَوله فِي غَيرهمَا
طَلْحَة يَا كبرائيسلحة فِي الْأُمَرَاء
إِن شاها أَنْت فرزانلَهُ بَادِي العراء
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع