تجاوز إلى المحتوى

من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

أَبُو أَحْمد بن أبي بكر الْكَاتِب

فيه ٤٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أَبوهُ أَبُو بكر بن حَامِد كَانَ كَاتب الْأَمِير إِسْمَاعِيل بن أَحْمد ووزير الْأَمِير أَحْمد بن إِسْمَاعِيل قبل أبي عبد الله الجبهاني الْكَبِير وَكَانَ أَبُو أَحْمد ربيب النِّعْمَة وغذي الدولة وسليل الرياسة وَمن أول من تأدب وتظرف وبرع وَشعر بِمَا وَرَاء النَّهر وحذا فِي قرض الشّعْر حَذْو أهل الْعرَاق وَسَار كَلَامه فِي الْآفَاق وَهُوَ الْقَائِل

لَا تعجبن من عراقي رَأَيْت لَهُبحرا من الْعلم أَو كنزا من الْأَدَب
واعجب لمن بِبِلَاد الْجَهْل منشؤهإِن كَانَ يفرق بَين الرَّأْس والذنب

وَكَانَ يجْرِي فِي طَرِيق ابْن بسام ويقفو أَثَره فِي عَبث اللِّسَان وشكوى الزَّمَان واستزادة السُّلْطَان وهجاء السَّادة والإخوان ويتشبه بِهِ فِي أَكثر الْأَحْوَال وَكَانَ ابْن بسام هجا أَبَاهُ وأخاه حَتَّى قيل فِيهِ

من كَانَ يهجو عليافشعره قد هجاه
لَو أَنه لِأَبِيهِمَا كَانَ يهجو أَبَاهُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «من رام هجو علي»

فَضرب أَبُو أَحْمد على قالبه ونسج على منواله حَتَّى قَالَ فِي أَبِيه

لي وَالِد مُتَحَامِلمن غير مَا جرم عملته
إِن لم يكن أشنى إِلَيّمن الْمنون فَلَا عدمته

وَقَالَ فِي أَخِيه مَنْصُور

أَبوك أبي وَأَنت أخي وَلَكِنأبي قد كَانَ يبذر فِي السباخ
تجاريني فَلَا تجْرِي كجرييوَهل تجْرِي البيادق كالرخاخ

وَكَانَ يرى نَفسه أَحَق بالوزارة من الجبهاني والبلغمي لما لَهُ فِيهَا من الوراثة مَعَ التبريز فِي الْأَدَب وَالْكِتَابَة وَلَا يزَال يطعن عَلَيْهِمَا وَيُصَرح بهجائهما وَلَا يوفيهما حق الْخدمَة والحشمة حَتَّى أوحشاه وأخافاه فَذهب مغاضبا ولج وَحج

ثمَّ أَقَامَ بِبَغْدَاد بُرْهَة وحن إِلَى وَطنه فعاود بُخَارى وَحين حصل بقرية يُقَال لَهَا آمل قَالَ فَأحْسن

قطعت من آمل المفازهقطعا بِهِ آمل المفازه

وَلم ير ببخارى غير مَا يكره من إِعْرَاض الْأَمِير واستخفاف الْوَزير

فَلَزِمَ منزله واشتغل باتخاذ الندماء وَعقد مجَالِس الْأنس والجري فِي ميدان العزف والقصف وَجعل يتخرق فِي تبذير مَاله حَتَّى رقت حَاشِيَة حَاله

وَكَانَ مُولَعا بِشعر العطوي حَافِظًا لديوانه مقدما على نظرائه كثير المحاضرة بأمثاله وغرره فِي مخاطبته ومكاتباته فلقب بالعطواني وَفِيه يَقُول أَبُو مَنْصُور العبدوني وَكَانَ من ندمائه مَعَ أبي الطّيب الطاهري والمصعبي

أَبَا أَحْمد ضيعت بالخرق نعْمَةأفادكها السُّلْطَان والأبوان
فقد صرت مهتوك الجوانب كلهَاولقبت للإدبار بالعطواني
وأفكرت فِي عود إِلَى مَا أضعتهوَقد حيل بَين العير والنزوان
فرأيك فِي الإدبار رَأْي أَخَذتهوعلمته من مشْيَة السرطان

ثمَّ إِنَّه تقلد أَعمال هراة وبوشنج وباذغيث فشخص إِلَى رَأس عمله واستخلف عَلَيْهِ أَبَا طَلْحَة قسورة بن مُحَمَّد واصطنعه ونوه بِهِ حَتَّى صَار بعده من رُؤَسَاء الْعمَّال بخراسان وَكَانَ قسورة من أولع النَّاس بالتصحيفات فَقَالَ لَهُ أَبُو أَحْمد يَوْمًا إِن أخرجت مُصحفا أَسأَلك عَنهُ وصلتك بِمِائَة دِينَار قَالَ أَرْجُو أَن لَا أقصر عَن إِخْرَاجه فَقَالَ أَبُو أَحْمد فِي قشور هينم جمد فَوقف حمَار قسورة وتبلد طبعه وتقشر فلسه فَقَالَ إِن رَأْي الشَّيْخ أَن يمهلني يَوْمًا فعل فَقَالَ أمهلتك سنة فحال الْحول وَلم يقطع شعره فَقَالَ لَهُ أَبُو أَحْمد هُوَ اسْمك قسورة بن مُحَمَّد فازداد خجله وأسفه وعَلى ذكر أبي طَلْحَة فَإِنَّهُ كَانَ كوسجا وَفِيه يَقُول اللحام

ويك أَبَا طَلْحَة مَا تَسْتَحيبلغت سبعين وَلم تلتحي

وَلما استعفى أَبُو أَحْمد من عمله وخطب بنيسابور أُجِيب إِلَى مُرَاده فَمن قَوْله بنيسابور وَقد طَالب الْعمَّال أَرْبَاب الضّيَاع ببقايا الْخراج

سَلام الله مني كل يَوْمعلى كتاب ديوَان الْخراج
يرومون البغايا فِي زمَانعجزنا فِيهِ عَن مَال الزواج

وبلغه أَن السَّاجِي هجاه بالحضرة فَقَالَ

إِنَّا أنَاس إِذا أفعالنا مدحتأنسابنا فهجينا لم نخف عارا
وَإِن هجونا بِسوء الْفِعْل أَنْفُسنَافَلَيْسَ يرفعنا مدح وَإِن سارا

وَقَالَ للجبهاني

أَيهَا السَّيِّد الرئيس وَمن لَيْسَعَلَيْهِ فضلا ونبلا قِيَاس
أَنْت سهل الطباع مُرْتَفع الْقدروَلَكِن منادموك خساس

وَمن هجائه قَوْله فِيهِ

يَا ابْن جبهان لَا وحقك لَا تصلحفاغضب أَو فارضين بالحراسه
عجبا للْجَمِيع إِذْ نصبوا مثلكفِي صدر ملكهم للرياسه
وَلَو أَن التَّدْبِير وَالْحكم فِي الْخلقعلى الْعدْل مَا وليت كناسه

وَمن أَمْثَاله السائرة قَوْله

إِذا لم يكن للمرء فِي دولة امْرِئنصيب وَلَا حَظّ تمنى زَوَالهَا
وَمَا ذَاك من بغض لَهَا غير أَنهيرجي سواهَا فَهُوَ يهوى انتقالها

وَقَوله

إِنِّي وجعفر بعد مَا جربتهوبلوت فِي أَحْوَاله أخلاقه
كمعيد شكّ فِي خرا قد شمهفَأَرَادَ معرفَة الْيَقِين فذاقه

وَقَوله

أحسن إِذا أحسن الزَّمَانوَصَحَّ مِنْهُ لَك الضَّمَان
بَادر بإحسانك اللَّيَالِيفَلَيْسَ من غدرها أَمَان

وَكتب إِلَى أبي نصر بن أبي حَبَّة يستزيره فَلم يجبهُ وَاعْتذر بعلة فَكتب إِلَيْهِ أَبُو أَحْمد

تعاللت حِين أَتَاك الرَّسُولوَلَيْسَ كَذَاك يكون الْوُصُول
وَأقسم مَا نابك من عِلّةوَلَكِن رَأْيك فِينَا عليل

وَمِمَّا يستحسن لأبي أَحْمد قَوْله

اختر لكأسك ندمانا تسر بهمأَولا فنادم عَلَيْهَا جلة الْكتب
فالأنس بَين ندامى سادة نجبمنزهين عَن الْفَحْشَاء والريب
هَذَا يفيدك علما بالنجوم وَذَايأيتك بِالْخَيرِ المستظرف الْعجب
وَبَين كتب إِذا غَابُوا فَأَنت بهَافِي أنزه الرَّوْض بَين الْعلم وَالْأَدب
إِذا أنست بِبَيْت مر مقتضبأفْضى إِلَى خبر يُلْهِيك منتخب
ويكمل الْأنس سَاق مرهف غنجيسْعَى بياقوتة سلت من الْعِنَب
فَأَنت من جد ذَا فِي منظر أنقوَأَنت من هزل ذَا فِي مرتع خصب
وَخير عمر الْفَتى عمر يعِيش بِهِمقسم الْحَال بَين الْجد واللعب
فحظ ذَلِك من علم وَمن أدبوحظ هَذَا من اللَّذَّات والطرب

وَحكي أَن أَبَا حَفْص الْفَقِيه عَاتب يَوْمًا أَبَا أَحْمد على لبسه الْخَاتم فِي يَمِينه

فَقَالَ أَبُو أَحْمد إِن فِيهِ أَربع فَوَائِد

إِحْدَاهَا السّنة المأثورة من غير وَجه عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يتختم فِي الْيَمين وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاء الراشدون بعده إِلَى أَن كَانَ من أَمر صفّين والحكمين مَا كَانَ حِين خطب عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ أَلا إِنِّي خلعت الْخلَافَة من عَليّ كخلع خَاتمِي هَذَا من يَمِيني وجعلتها فِي مُعَاوِيَة كَمَا جعلت هَذَا فِي يساري فَبَقيت سنة عَمْرو بَين الْعَامَّة إِلَى يَوْمنَا هَذَا

وَالثَّانيَِة من كتاب الله تَعَالَى وَهِي قَوْله ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَمَعْلُوم أَن الْيَمين أقوى من الْيَسَار فَالْوَاجِب أَن يُكَلف حمل الْأَشْيَاء الْأَقْوَى دون الأضعف وَالثَّالِثَة من الْقيَاس وَهُوَ أَن النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ صَحِيح وَالْأَدب فِي الِاسْتِنْجَاء باليسار وَلَا يَخْلُو نقش خَاتم من اسْم الله تَعَالَى فَوَجَبَ تنزيهه عَن مَوَاضِع النَّجَاسَة

وَالرَّابِعَة أَن الْخَاتم زِينَة الرِّجَال واسْمه بِالْفَارِسِيَّةِ انكشت أراى فاليمين أولى من بِهِ من الْيَسَار

وَلما عاود أَبُو أَحْمد بُخَارى من نيسابور وَورد على مَاله كدر وَأَسْبَاب مُخْتَلفَة مختلة وقاسى من فقد رياسته وضيق معاشه قذاة عينه وغصة صَدره استكثر من إنشاد بَيْتِي مَنْصُور الْفَقِيه فَقَالَ

قد قلت إِذْ مدحوا الْحَيَاة سرفوافِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَا تعرف
مِنْهَا أَمَان لِقَائِه بلقائهوفراق كل معاشر لَا ينصف

وَقَالَ فِي مَعْنَاهُمَا

من كَانَ يَرْجُو أَن يعِيش فإننيأَصبَحت أَرْجُو أَن أَمُوت فأعتقا
فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَو أَنَّهَاعرفت لَكَانَ سَبيله أَن يعشقا
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وواظب على قِرَاءَة هَذِه الْآيَة فِي آنَاء ليله ونهاره وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴿يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ فَقَالَ بعض أصدقائه إِنَّا لله قتل أَبُو أَحْمد نَفسه فَكَانَ الْأَمر على مَا قَالَ فَشرب السم فَمَاتَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «يتيمة الدهر»