تجاوز إلى المحتوى

من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الشَّيْخ أَبُو المحاسن سعد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور

فيه ٥١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

رَئِيس جرجان أيده الله تَعَالَى

أجمع أهل زَمَاننَا أجمع على أَنه أجمع الرؤسا لما يكنى بِهِ وأجمعهم بَين الْعُلُوم والآداب وشرفي الانتساب والاكتساب وَأَنه عَالم فِي ثوب عَالم وبحر فِي شخص حبر وَمَاله نَظِير وغصن شبابه نضير وَكَانَت النائبة رحب بِي إِلَى جرجان فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة فأنزلني أَبوهُ الرئيس أَبُو سعد مُحَمَّد بن مَنْصُور رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه منزله وأخدمني خدمَة وأوسعني فَضله وَكَرمه وَكَانَت حَالي عِنْده وَمَعَهُ حَال من قَالَ

نزلت على آل الْمُهلب شاتياغَرِيبا من الأوطان فِي زمن مَحل
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فمازال بِي إكرامهم واقتفاؤهموألطافهم حَتَّى حسبتهم أَهلِي

وَأَبُو المحاسن إِذْ ذَاك صبي لم يبلغ الْحلم وَقد أَتَاهُ الله فِي إقبال الْعُمر جَوَامِع الْفضل وسوغه فِي ريعان الصِّبَا محامد العلى فَكُنَّا نَجْتَمِع فِي جمَاعَة من الْفُضَلَاء والأدباء وَالشعرَاء كل يَوْم وَلَيْلَة على المدارسة والمذاكرة والمناشدة فيبذنا أَبُو المحاسن بِحسن محاضرته ومبادهته ويعجبنا من بلاغته وبراعته على حُدُوث ميلاده وَقرب إِسْنَاده وَكتب لي جُزْءا من شعره بِخَطِّهِ هُوَ حَتَّى الْآن عِنْدِي وَأَتْمَمْت كتاب الْيَتِيمَة بِحَضْرَتِهِ فافتض عذرته وَتحفظ أَكْثَره وَلم يفرق بَيْننَا إِلَّا أَن جَاءَنِي دَاعِي الْأَمِير أبي الْعَبَّاس مَأْمُون بن مَأْمُون خوارزمشاه تغمده الله بغفرانه ومهد لَهُ أَعلَى جنانه فَنَهَضت من جرجان إِلَى الجرجانية وَضرب الدَّهْر ضربانه ودارت الأدوار وَمَرَّتْ الأعوام وتنقلت الْأَحْوَال وكتبت للرئيس أبي سعد سَعَادَة المحتضر وأفضى بِهِ الْأَمر إِلَى الْأَجَل المنتظر وَقَامَ الشَّيْخ أَبُو المحاسن أيده الله تَعَالَى مقَامه فِي الرياسة وأربى عَلَيْهِ فِي السياسة والسفارة وَالْقَبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَبلغ من البلاغة والتقدم نَحْو سِيبَوَيْهٍ وَفِي الْفِقْه وَالشعر مبلغا تثنى بِهِ الخناصر وتثنى عَلَيْهِ الشبابات وطلع فِي سنة أَربع وَعشْرين على نيسابور رَسُولا إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان الْأَعْظَم أدام الله تَعَالَى ملكه ومؤديا وَدِيعَة الكيا الْأَجَل أبي كاليجار أدام الله عزه فَمَلَأ الْعُيُون جمالا والقلوب كمالا وأوسع أَهلهَا فضلا وأفضالا وَأقر عَيْني مِنْهُ بلقاء شخص الْمجد وتجديد الْعَهْد الْقَدِيم بأوحد الدَّهْر وَلم يتَّفق لي تَعْلِيق شعره الْجَدِيد لعَارض من الْمَرَض ألم بِي حَتَّى فَاتَنِي مَا مددت عَيْني إِلَيْهِ من عُقُود دره وَعقد سحره مَعَ انقلابه إِلَى مَرْكَز عزه وعَلى كل نجح رَقِيب من الْآفَات وَأَنا أقتصر هَاهُنَا على كتبة نبذ من بَنَات خاطره الْقَدِيمَة إِلَى أَن الْحق بهَا وسائط من قلائده الحديثة وَهَذِه نُسْخَة فصل من نثره بدأت بِهِ وَلم أَقرَأ أبرع وأبدع مِنْهُ فِي فنه كنت خاطبت الشَّيْخ بخطاب دللت فِيهِ على غلوي فِي دين وده وضربي سكَّة الْإِخْلَاص باسمه وتلاوتي سور معاليه الَّتِي تكد لطولها لِسَان راويها وإيماني بشريعة مكارمه الَّتِي بعث وَالْحَمْد لله نَبيا فِيهَا فَدَعَا إِلَيْهَا دَعْوَة استجابت لَهَا الكرماء وحجت كعبة فَضله الآمال الانضاء وخلد ذكره فِي صحف المكرمات تخليدا واعتقد الخلود من سودده علما لَا تقليدا وَقضى حكام الْمجد بِأَنَّهُ الَّذِي تلقى رايات الْمجد بِالْيَمِينِ وتوخى نظم شاردها بعرق الجبين وَهَذِه نُسْخَة رِسَالَة لَهُ إِلَى بعض خَواص الشَّيْخ شمس الكفاة رَحمَه الله

أَقرَأ على الوشل السَّلَام وَقل لَهُكل المشارب مذ هجرت ذميم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اقرأ على الوشل السلام وقل له»
سقيا لظلك بالْعَشي وبالضحىولبرد مائك والمياه حميم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اقرأ على الوشل السلام وقل له»

مَا أحسبني مُنْذُ فَارَقت الشَّيْخ أدام الله عزه خلوت سَاعَة من تمثل شخصه والتلفت بأخادع الذّكر نَحْو كريم عَهده واستسقاء صوب الرّبيع المربع لأنيس ربعه وَالثنَاء على الدَّهْر الَّذِي وصل حبلي بحبله وَألف شملي بِمَجْمُوع شَمله

وَإِن لم يكن إِلَّا معرج سَاعَةقَلِيلا فَإِنِّي نَافِع لي قليلها

وليت شعري هَل يجول ذكري فِي ميدان فكره أم طواه طي الرِّدَاء فَلَيْسَ تهتز لنشره وَأَقْبل على بَث الأوطار الفساح بَين مُنَاجَاة الأوتار الفصاح ومناغاة الْوُجُوه الصَّباح وأرتشاف ثنايا الكؤوس إِذا تجلتها أَيدي السقاة جلوة الْعَرُوس وصلَة عرى الصبوح بعرى الغبوق والجري فِي ميدان اللَّهْو جري السَّابِق لَا الْمَسْبُوق واستغفر الله مِمَّا طاش بِهِ سنّ الْقَلَم وَأَعُوذ بِهِ أَن يسْخط لهَذِهِ الْكَلم وَإِلَيْهِ أَرغب فِي إمتاعي بخلته الَّتِي هِيَ من جلائل النعم وَلَا يسرني بهَا وَحقّ الْمجد حمر النعم وَهَذِه المخاطبة واصلة فِي صُحْبَة فلَان وَهُوَ من أقَارِب فلَان تجَاوز الله عَن الْمَاضِي وأدام الله عز الْبَاقِي وَلَا خفا بِهَذَا النّسَب الَّذِي نظم من الْكَرم عقودا وَكَانَ عَلَيْهِ من شمس الضُّحَى نورا وَمن فلق الصَّباح عمودا وَمَا أَشك فِي استغنائه عَن هَذَا الذّكر فقد عرف أَحْوَالهم أَيَّام اجتيازه بِالريِّ وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ نَائِبا عَن أميرها ومنوطا بِهِ جَمِيع أمورها حَتَّى انحى عَلَيْهِ صرف الدَّهْر واضطره إِلَى مُفَارقَة المستقر وَقصد حَضْرَة تمنع بِهِ جَانِبه فَلَا يرام ويدرع ثوب الْعِزّ فَلَا يضام وَهَذِه صفة حَضْرَة الصاحب الْأَجَل فَإِنَّهَا الحضرة تخدمها الْأَيَّام كَمَا تخدمها السيوف والأقلام وَأَرْجُو أَن يحظى بِهَذَا الْقَصْد ويسعد بِسَاحَة الْمجد فالبحر يعم بفيضه الْخلق وَالربيع يمنح من شام برقه الودق وَهَذِه غرر من شعره فِي صباه نقلتها من خطه فَمِنْهَا قَوْله من قصيدة فِي مدح أَبِيه رَحمَه الله

قدح النَّوَى زند الغرامومرى دموع المستهام
وبنفسي الظبي الَّذِيعاطيته كأس المدام
ففروعه ليل التَّماموَوَجهه بدر التَّمام
طاوى الحشا عذب اللمىعبل الشوى غنج القوام
لم أدر قبل لحاظهإِن اللحاظ من السِّهَام
لاحظته فَحملت منأجفانه بعض السقام
وفديت محجره وَإِنخلع الفتور على عِظَامِي
أعدى تضرج خَدّهقلبِي فأضحى وَهُوَ دَامَ
فَكَأَن فِي قلبِي الَّذِيفِي وجنتيه من الضرام
سقيا لعيش باللوىعذب الجنى صافي الجمام
أَيَّام أسحب فِي التصابيفصل أذيال العرام
والعيش عذب الْورْد رطبالْعود غض الْغُصْن نَام
والأنس تهمي مزنهكندى مُحَمَّد الْهمام
ذَاك الَّذِي أضحى وغيمنداه سح الْقطر هام
لله همته الَّتِيغضت من الهمم الْعِظَام
كم موقف نثر العواليفِيهِ عقد طلى وهام
وتبسمت فِيهِ الظبيعَن ناجذ الْمَوْت الزؤام
وَأَهله الأسياف تهتكستر ظلماء القتام
مزقته بحسام رَأْيشيم من غمد اعتزام
فَالْمَال عنْدك فِي انتثاروالمعالي فِي انتظام
مَا كَانَ غيمك بالجهاموَلَا حسامك بالكهام
فاسعد بنيروز يُنَبهجفن أنوار نيام
نثر الرذاذ على الثرىدرا يشذ عَن النظام
وتفتح الْأَنْوَار إِذْ رشفالثرى ريق الْغَمَام
وتعصبت بعصائب الْأَنْوَارهامات الأكام
وجلى الرّبيع ضحى عروسالْورْد من كلل الكمام
وكأنما سرق الصِّبَا رياشمائلك الْكِرَام
يَا من تدفق جودهكتدفق الْغَيْم الركام
لَا زلت فِي ظلّ الْمَعَالِيبَالغا أقْصَى المرام
واسحب ذيول الْعِزّ سجيذيل أنعمك الجسام

وَقَوله من أُخْرَى

قفوا لنمري در الدمع فِي الدّورفالدمع يشفي انسكابا قلب مهجور
فَإِن عَفا الرّبع أَو أقوى ببينهمفربعهم فِي فُؤَادِي جد معمور

وَمِنْهَا

فَلَو ترى الْقَلَم المذروب فِي يَدهيمْضِي مضاء صقيل الْمَتْن مأثور
عجبت من صارم ماضي الفرند غَدافِي كف مَاض جَدِيد الْحَد مَشْهُور

وَمِنْهَا

أسعد فقد جَاءَك النيروز وانتبهتمن بعد مَا رقدت عين الأزاهير
تبْكي السَّمَاء مسَاء فعل ذِي شجنويضحك الدَّهْر صبحا فعل مسرور
وَاللَّيْل يُبْدِي نجوما مثل مَا انتثرتلآلئ فَوق صرح من قَوَارِير
والبرق يصْبغ خد الْغَيْم حِين سرىصبغ الْحيَاء خدود النَّفر النُّور
وَالرَّوْض يجلوه قرن الشَّمْس ضاحيةفِي مطرف بيد الأنواء منشور
تشققت فِيهِ أجفان الشَّقِيق ضحىكَأَنَّهَا إِذْ بَدَت أجفان مخمور
ولاح فِيهِ الأقاحي كالدراهم إِذْألاح حوذانه مثل الدَّنَانِير
والنرجس الرطب أضحى فِي حدائقهيرنو إِلَيْنَا بِعَين الخرد الْحور
كَأَنَّهُ إِذْ جلاه طله سحرًاصهباء ممزوجة فِي كأس بلور
والجو يسرق أنفاس النسيم إِذاجرى على صفحات الْورْد والخيري
كَأَن ريا الرياض الزاهرات حكتريا خلائقك الغر الْمَشَاهِير
فَاسْلَمْ فَإنَّك لَيْث فِي الوغى وَحياعِنْد المحول وَبدر فِي الدياجير

وَإِذا كَانَ شعره هَكَذَا فِي عنفوان الصِّبَا فَمَا الظَّن بِهِ عِنْد قَضَاء باكورة الشَّبَاب وبلوغ حد الاكتهال سقى الله ربعه وَعَهده وَأبْعد عَنَّا بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «يتيمة الدهر»