من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث (٤)
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: فِي هَذَا الْخَبَر تنبيهٌ لِذَوي التَّمْيِيز وَحسن التفكر، والتحذير من إرضاء الْمَخْلُوق الموسوم بِالنَّقْصِ والفقر، عَلَى الْخَالِق الْمَالِك للنفع والضر، فقد قَالَ اللَّه ﷿: " مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ".
وَقَالَ تَعَالَى جَدّه: " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لنا، هون مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "، وَهَذَا ظاهرٌ فِي عقول ذَوي الفطن السليمة، كثير فِي الْكتاب وَالسّنة، يطول إحصاؤه ويتعب استقصاؤه، وَقد أَكثر الشُّعَرَاء والْبُلغاء فِي ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنى وأسهبوا، وَجمعه شاق جدا عَلَى متعاطيه، والقَدْر الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ كافٍ فِيهِ. وَقد حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن سهل الْخُتّلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاسِم بْن الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: أَخْبرنِي رَجُل، قَالَ: أَنْشدني صديق لي:
لَعَمْرُك مَا كلُّ التّعَطُّلِ ضَائِرًاوَلَا كلُّ شُغُلٍ فِيهِ للمَرْء مَنْفَعَهُ
إِذَا كَانَت الأرزاق فِي الْقرب والنّوىعَلَيْكَ سَوَاء فاغتنم لَذَّة الدَّعَه
إِذَا ضقت فاصبر يُفْرِج اللَّه مَا ترىأَلا كلُّ ضيقٍ فِي عواقبه سَعَهْ
وُلّي فِي هَذَا الْمَعْنى أَبْيَات قُلتها قَدِيما، هِيَ:
مَالك الْعَالمين ضَامِنُ رِزْقِيفلماذا أُملِّكُ الخَلْق رِقِّي
قَدْ قَضَى لي بِمَا عليّ وماليخالقي جلّ ذكره قَبْلَ خلقي
صَاحب الْبَذْل والندى فِي يساريورفيقي فِي عُسْرتَي حُسْنُ رِفْقي
وكما لَا يردُّ رِزْقِي عَجْزِيفَكَذَا لَا يَجُر رزقِيَ حِذْقِي
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع