تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَعْلِيق لغَوِيّ (٢)

قَوْله: فَكَأَنَّهُ من نشرها منشور، فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا فَكَأَنَّهُ من حَيَاة ذكره وَالثنَاء عَلَيْهِ حَيّ غي ميت، يُقَالُ: لفُلَان ذكرٌ حيُّ إِذَا كَانَ باديًا غَيْر خامل، وَقد مَاتَ ذَكَرَ فلَان إِذَا انْقَطع، قَالَ أَبُو نُخَيْلة:

فأحييتَ لِي ذكري وَمَا كنتُ خَامِلاولكنَّ بَعْض الذِّكْرِ أَنْبَهَ مِنْ بَعْضِ

وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون عني بنشرها رائحتها الطّيبَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

سُقيِتُ دَمًا إنْ لَمْ أَرُعْكِ بضرةٍبَعِيدَةِ مَهْوَى الْقُرْطِ طَيِّبَةِ النّشْرِ

وَقَالَ المرقِّش الْأَكْبَر:

النّشْرِ مسكٌ والْوُجُوهُ دنانيرٌوأطْرَافُ الأكُفِّ عَنَمْ

وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

كأنَّ الْمُدَامَ وصَوْبَ الغمامِونَشْرَ الْخُزامَى ورِيحَ القطرْ

ويروى القَطَر، الْقطر: الْعُود الَّذِي يتبخر بِهِ، وَقيل للمجموعة الَّتِي تُوضَع فِيهَا لتتبخر بِهِ: مقطرة، اشتقاقًا مِنْهُ، قَالَ المرقِّشُ الْأَصْغَر:

فِي كلِّ مَمْشى لَهَا مِقْطَرَةٌفِيهَا كبَاءٌ مُعَدٌّ وحَمِيم

الْكِبَاء مَمْدُود: الْعود وَقيل: مَا يُتبخر بِهِ، والكبا مَقْصُور المزبلة، وَقَوله: منشور فِيهِ وَجْهَان، أَحدهمَا: أَن يكون مَعْنَاهُ النشر الْمُقَابل للطيِّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

طوى الموتُ مَا بيني وَبَين محمدٍوَلَيْسَ لما تَطْوي المنيةُ ناشرُ

فَجعل مَوته بِمَنْزِلَة ثوب أَوْ غَيره طُوِي مَا كَانَ مِنْهُ ظَاهرا وخفي، وَقد قَالَ الشَّاعِر:

فَإِن أظهرُوا خيرا فجَاء بِمِثْلِهِوَإِن هُمُ طَوَوْا عَنْكَ الحديثَ فَلا تَسَلْ

وَقَالَ بَعْض الْمُحدثين:

فَإِن يَكُ هَذَا مِنْك جِدّا فإننيمُدَاوِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ بالهجرِ
ومنصرفٌ عَنْكَ انْصِرَافَ ابنِ حرةٍطَوَى وُدَّهُ والطَيُّ أَبْقَى عَلَى النشرِ

قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة - وَقد روى لَنَا عَمَّن تَقَدَّمَ بِزَمَان طَوِيل:

طَوَتْكَ خُطُوبُ دهرك بَعْدَ نشرٍكَذَاك خُطُوبُهُ نَشْرًا وَطَيًّا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا من لي بأنسك يا أخيا»

وَيُقَال للْحَدِيث إِذَا اشْتهر واستفاض وتفرق: انْتَشَر.

وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون معنى منشور: مُحْيًا، وَفِي هَذَا الْوَجْه لُغَتَانِ يُقَالُ: أنشر اللَّه الْمَيِّت إنشارًا فنشر هُوَ نُشُورًا، وَهَذِه أعْلى اللغتين، وأكثرهما وأفصحهما وأظهرهما وَبهَا جَاءَ التَّنْزِيل، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أنشر "، يُقَالُ من هَذِهِ اللُّغَة: أنشره اللَّه وَهُوَ منشره، وَنشر الْمَيِّت فَهُوَ ناشر، قَالَ الْأَعْشَى:

لَوْ أَسْنَدَت مَيْتًا إِلَى نَحْرِهَاعَاشَ وَلم يُنْقَلْ إِلَى قابرِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»
حَتَّى يَقُولَ النّاس ممّا رَأَوْايَا عَجَبًا للمَيِّتِ الناشرِ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وَقَالَ اللَّه أصدق الْقَائِلين: " أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً من الأَرْض هم ينشرون " واللغة الثَّانِيَة: نَشَر الْمَيِّت فَهُوَ منشور، وَهُوَ أقل اللغتين، وَكثير من أَهْلَ الْعلم لَا يعرفهَا وَقد حُكيَت لَنَا، وَمِمَّنْ حَكَاهَا أَبُو بَكْر بْن دُريد، وَقَالَ اللَّه ﷿: " وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشرها "، فَأَتَت فِيهَا ثَلَاث قراءات، نُنْشِرُها بِضَم النُّون وَالرَّاء بِمَعْنى نحييها، كَمَا قَالَ عزَّ ذكره: " قَالَ من يحي الْعِظَام وَهِي رَمِيم " ونَنْشُرُها بالراء أَيْضا بِفَتْح النُّون، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَة وَجْهَان من التَّأْوِيل، أَحدهمَا النشر الَّذِي هُوَ خلاف الطي، وَالْآخر حمله عَلَى لُغَة من يَقُول: نر الله الْمَيِّت فنشر، مثل جبر اللَّه فجبر، كَمَا قَالَ العجاج: قَدْ جَبَر الدِّينَ الإِلَهُ فَجَبَرَ وَمثله: فغرتُ فَاه ففغر إِذَا فَتحته فانفتح، وَمثله: شحا فَاه وشَحَا فُوه.

وَالْقِرَاءَة الثَّالِثَة: نُنْشِزها بالزاي بِضَم النُّون أَي نرفع بَعْضهَا إِلَى بَعْض واستقصاء الْكَلَام فِي مَعَاني هَذِهِ الْقرَاءَات وَتَسْمِيَة الْقُرَّاء بهَا وَبَيَان مَا يخْتَار مِنْهَا يطول، وَهُوَ مرسوم فِيمَا ألفناه من كتبنَا فِي الْقرَاءَات وعلوم الْقُرْآن عَلَى الشَّرْح وَالْبَيَان.

وَمِمَّا جَاءَ فِي حَسَن الثَّنَاء مَا أنشدناه عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: أنشدنا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني أَبُو جَعْفَر الْقُرَشِيّ:

كُلُّ الْأُمُور تَزُولُ عَنْكَ وتَنْقَضِيإِلَّا الثّنَاءَ فَإِنَّهُ لَك باقِ
وَلَو أنني خُيرت كلُّ فَضِيلَةمَا اخترتُ غير محَاسِن الأخلاقِ

وَقد روينَا فِي بذل الْعَطاء وَمَا ينْتج من حَسَن الثَّنَاء مَا لَمْ نر إطالة هَذِهِ الْمجْلس بِهِ، لأَنا بنينَا كتَابنَا هَذَا عَلَى تَضْمِينه أنواعًا منثورة، وَغير جَارِيَة عَلَى أَبْوَاب مَجْمُوعَة محصورة، لِئَلَّا تَتَفَاوَت مجَالِس الْكتاب فِي الطول وَالْقصر، وَنحن نأتي من هَذَا الْبَاب فِيمَا نستقبله من هَذِهِ الْمجَالِس مَا يتَّفق ويحضر أَولا أَولا، إِن شَاءَ اللَّه.

حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد، قَالَ: أَخْبَرَنَا التوزي، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: لمّا بلغ حَاتِم طييء قَول المتلمس:

قَليِلُ المالِ تُصْلِحُهُ فيبْقَىوَلَا يبقَى الكثيرُ عَلَى الفسادِ
للشاعر محمد غريط، اقرأ القصيدة
وحفظُ المَال خيرٌ من فناهُوعسفٌ فِي الْبِلَاد بغَيْرِ زَاد

قَالَ: مَا لَهُ قطع اللَّه لِسَانه حمل النّاس عَلَى الْبُخْل، فَهَلا قَالَ:

فَلا الْجُودُ يُفْنى المالَ قَبْلَ فنائهوَلَا الْبُخْل فِي مَال الشّحيح يزيدُ
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «فلا الجود يفني المال قبل فنائه»
فَلا تلتمسْ مَالا بعيشِ مُقَتِّرلَك غدٍ رزقٌ يعودُ جديدُ
ألم تَرَ أَن المَال غادٍ ورائحُوَأَن الَّذِي يعطيكَ غَيْر بعيدُ

وَلَقَد أحسن حَاتِم فِي قَوْله: وَأَن الَّذِي يعطيكَ غَيْر بعيدِ وَلَو كَانَ مُسلما لرجي لَهُ بِمَا أَتَى من هَذَا مَا يغتبطه فِي معاده، وَقد أَتَى كتاب اللَّه ﷿ فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَا يعجز المخلوقون عَنْ مساواته، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ "، وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْعَاشِر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.