من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
ضَعُفَ قلبِي عَنِ الرَّد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أبي الثَّلج، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: قَالَ ابْن المَوْصِليّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أتيت يحيى بن خَالِد بن برمك فشكون إِلَيْهِ ضِيقَة، فَقَالَ: وَيحك! مَا أصنع بك، لَيْسَ عندنَا فِي هَذَا الْوَقْت شَيْءٍ، وَلَكِن هَا هُنَا أَمر أدلُّك عَلَيْهِ فَكُن فِيهِ رَجُلا، فقد جَاءَنِي خَليفَة صَاحب مصر يسألني أَن أستهدي صَاحبه شَيئًا، وَقد أبيتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فألحَّ عليّ، وَقد بَلغنِي أنَّكَ أُعْطِيتَ فِي جاريتك فُلَانَة ألف دِينَار، فَهُوَ ذَا أستهديه إِيَّاهَا وَأخْبرهُ أَنَّهَا قَدْ أعجبتني، فإياك أَن تُنْقِصها عَنْ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَانْظُر كَيْفَ تكون؟ قَالَ: فوَاللَّه مَا شَعرت إِلَّا بِالرجلِ قَدْ وافاني فساومني الْجَارِيَة، فَقلت: لَا أنقصها من ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَلم يزل يساومني حَتَّى بذل لي عشْرين ألف دِينَار، فَلَمّا سَمعتهَا ضَعُفَ قلبِي عَنْ رَدِّها، فبعتُها وقبضتُ المَال الْعشْرين ألفا، ثُمَّ صرت إِلَى يحيى بْن خَالِد، فَقَالَ لي: كَيْفَ صنعتَ فِي بيعك الْجَارِيَة، فَأَخْبَرته وَقلت: وَالله مَا ملكتُ نَفسِي أَن أجبتُ إِلَى الْعشْرين حِين سمعتُها، فَقَالَ: إِنَّك لخسيس، وَهَذَا خليفةُ صَاحب فَارس قَدْ جَاءَنِي فِي مثل هَذَا، فَخذ جاريتك فَإِذا ساومك فها فَلا تنقصها عَنْ خمسين ألف دِينَار، فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَشْتَرِيهَا مِنْك بِذَاكَ، قَالَ: فَجَاءَنِي الرَّجُل فاسْتَمْتُ عَلَيْهِ خمسين ألف دِينَار، فَلم يزل يساومني حَتَّى أَعْطَانِي ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فضعف قلبِي عَنْ رَدِّها وَلم أصدق بهَا وأوجبتها لَهُ، ثُمَّ صرت إِلَى يحيى بْن خَالِد فَقَالَ: بكم بِعْت الْجَارِيَة؟ فَقتل: بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَقَالَ: وَيحك! ألم تؤدِّبُك الأولى عَنِ الثَّانِيَة؟ قَالَ: قلت: ضَعُفْتُ وَالله عَنْ رَدِّ شَيْءٍ لَمْ أطمع فِيهِ، قَالَ: فَقَالَ: هَذِهِ جاريتك فخذْها إِلَيْكَ، قَالَ: فَقلت: جاريةٌ أفدتُ بهَا خمسين ألف دِينَار ثُمَّ أملكهَا! أشهدك أَنَّهَا حُرَّةٌ وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجتُها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع