تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

من مصَارِع الْعُشّاق

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مرزبان، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الطَّائِف، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُحَمَّد الصَّيْمَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن

مسْعدَة الْأَخْفَش، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو محظورة الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالك الراوية قَالَ: سَمِعت الفرزدق يَقُولُ: أبق غلامان لرجل من بني نهشل يُقَالُ لَهُ الْخضر. فَحَدثني الْخضر قَالَ: خرجت أبغيهما وقصدت نَاحيَة الْيَمَامَة على نَاقَة لي عَيْساء كوماء، قَالَ: ابْن الأنبَاريّ: العَيْساء: الْبَيْضَاء، والكوماء: الْعَظِيمَة السنام - فَنَشَأَتْ سَحَابَة فَرعدَت وَبَرقَتْ وحلت عَزَالِيهَا، فملت إِلَى بعض ديار بني حنيفَة وقصدت دَارا وَطلبت الْقرى، فَقيل لي: ادخل فأنخت نَاقَتي ودخلتُ وَجَلَست تَحت ظلة من جريد - قَالَ ابْن الأنبَاريّ: الجريد مَا جُرد من النّخل - وَفِي الدَّار جُوَيْرية سُويداء فدخَلَتْ جاريةٌ كَأَنَّهَا سبيكة فضَّة، وَكَأن عينيها كوكبان، فَقَالَ: لمن هَذِهِ النَّاقة؟ قَالَت السويداء: لضيفكم هَذَا، فَسلمت عليّ وَقَالَت: مِمَّن الرَّجُل؟ قلت: من بني حَنْظَلَة، قَالَت: من أَيهمْ؟ قَالَت: من بني دارم، قَالَ: من أَيهمْ؟ قلت من بني نهشل، قَالَ: وَأَنت من الَّذِي يَقُولُ فيهم الفرزدق:

إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لَنَابَيْتا دعائمه أعزُّ وأطولُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بَيْتا بناه لنا المليكُ وَمَا بنىملك السَّمَاء فَإِنَّهُ لَا يُنقلُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»
بَيْتا زُرَارةُ محتبٍ بِفِنَائهِومُجَاشِعٌ وَأَبُو الفوارس نهشلُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الذي سمك السماء بنى لنا»

فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ من قَوْلهَا: فَقَالَت: إِلَّا أنَّ ابْن الخَطَفي نقض عَلَيْهِ، فَقَالَ:

أخزى الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مُجَاشعًاوَبنى بناءَك بالحضيضِ الْأَسْفَل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
بَيْتا يُحَمِّم قَيْنُكُم بِغِنَائِهِدَنِسًا مقاعدُه خَبِيث الْمدْخل

فخجلت وَاسْتَحْيَيْت، ثُمَّ قلت لَهَا: أيم أَنْت أم ذاتُ بَعْل؟ فَقَالَت:

إِذَا رَقد النِّيامُ فَإِن عَمْرًاتُؤَرِّقُهُ الهمومُ إِلَى الصباحِ
تقطِّع قلبه الذكرى وقلبيفَما هُوَ بالخَلِيِّ وَلَا بصاحِ
سقى اللَّه اليمامةَ دارَ قومٍبهَا عَمْرو تَحِنُّ إِلَى الرواحِ

فَقلت لَهَا: من عَمْرو هَذَا؟ فَقَالَت:

سألتَ وَلَو علمتَ كففتَ عنهُوَمن لَك بِالْجَوَابِ سوى الخبيرِ
فَإِن تَكُ سَائِلًا عَنْهُ فعمرومَعَ الْقَمَر المضيء المستنيرِ

ثُمَّ قَالَتْ: أَيْنَ تَؤُمّ؟ قلتُ: الْيَمَامَة، فتنفّست الصُّعداء، ثُمّ قَالَتْ:

تُذَكِّرُني بلادًا حَلّ أَهلِيبهَا أَهْلُ المودَّة والكرامة
أَلا فسقي الْإِلَه أجشَّ صوبٍيسح بدرهِ بلد اليمامه
وحيّ بالسّلام أَبَا نُجيدٍوأهلٍ للتحية والسّلامة

ثمَّ قَالَت:

يخيل لي أيا عَمْرُو بْنَ كعبٍبأنك قَدْ حُملت عَلَى سريرِ
فَإِن يكُ هَكَذَا يَا عَمْرو إِنِّيمبكرةٌ عَلَيْكَ إِلَى القبورِ

ثُمَّ شهقت شهقة فَمَاتَتْ فألف عَنْهَا فصل لي: هِيَ من وُلِدَ محرِّق ابْن النُّعْمَان بْن الْمُنْذر وَعَمْرو بْن كَعْب هوى لَهَا بِالْيَمَامَةِ فركبتُ نَاقَتي فصرت إِلَى الْيَمَامَة. فَسَأَلت عَنْ عَمْرو بْن كَعْب، فخُبِّرْتُ أَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت الَّذِي قَالَت فِيهِ الْجَارِيَة مَا قَالَتْ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّانِي عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.