من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
رِوَايَة أُخْرَى للْخَبَر
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السُّكَيْنِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ هِلالٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ جَارُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ عَفِيفٍ أَوْ قَالَ: عَفِيفِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ حُفَاةً عُرَاةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَنْجَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَضْلَلْنَاهُ ثَلاثًا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ عَمَدَ كلُّ رَجُلٍ مِنَّا إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ أَوْ سَمُرَةٍ لِيَمُوتَ تَحْتَهَا، فَإِذَا رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُوضَعُ، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُنَا قَالَ وَالرَّاكِبُ يسمع:
لما رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَاوَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍيَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
قَالَ: فَقَالَ الرَّاكِبُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ قَالَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَ وَإِنَّ عِنْدَهُ الآنَ لَضَارِجًا عَلَيْهِ الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهِ الظِّلُّ، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا لَيْسَ بَينا وَبَيْنَهُ إِلا قَدْرُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ذَاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيَا، مَنْسِيٌّ فِي الآخِرَةِ، بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ ".
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر وَالشعر: وَأَن الْبيَاض من فرائصها دامي (الفرائص) جمع فريصة وَهِي الْموضع الَّذِي يترعد من الدَّابَّة، قَالَ النَّابِغَة الذبياني:
شَكَّ الفريصَةَ بالْمِدْري فأنفذَهاشَكَّ الْمُبَيْطِرِ إِذ يَشْفِي من العضدِ
وَمن هَا هُنَا أَخذ قَوْلهم: فلَان تَرْعَد فرائصه إِذَا وصف بِشدَّة الْخَوْف، وَمن ذَاك الْخَبَر المرويُّ أنَّ النَّبيّ ﷺ صلّى بِأَصْحَابِهِ وَرَأى رجلَيْنِ تَرْعَدُ فرائصهما.
وأمّا قَوْله: تيممت الْعين، فَمَعْنَاه قصدت وتعمدت، يُقَالُ: يممت كَذَا وَكَذَا إِذَا قصدته، وَمن ذَلِكَ قَول اللَّه ﷿: " فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا " يَعْنِي اقصدوا، وَذكر أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. فَأَقُول: وَالْمعْنَى وَاحِد، أممت وتيممت مثل عَمَدت وتعمدت، وَيُقَال: أممت، قَالَ اللَّه ﷿ " وَلا آمّين الْبَيْت الْحَرَام " يَعْنِي قَاصِدين وعامدين، وَقَالَ عزَّ ذكره: " وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تنفقون "، وَقَرَأَ مُسْلِم بْن جُنْدُب: وَلا تيمموا أَي توجهوا، وَمن هَذَا الْبَاب قَول الشَّاعِر:
إِنِّي كَذَاك إِذَا مَا ساءَنِي بلدٌيَمّمْت صَدْرَ بَعِيري غَيْرَهُ بَلَدا
ويروى: أممت، قَالَ الْأَعْشَى:
تيممتُ قيسا وَكم دُونَهمن الأَرْض من مَهْمَهٍ ذِي شَزَن
وَقَالَ آخر:
تيممتُ هَمَدان الَّذين همُ همُإِذَا نَاب خطبٌ جُنتي وسهامي
وَقَالَ خفاف بْن ندبة:
فَإِن تكُ خَيْلي قَدْ أُصِيبَ صَميمهافَعَمْدًا عَلَى عَيْني تيممتُ مَالِكا
وَمن هَذَا قَوْلهم: أمرٌ أمَمْ أَي قَصْد، قَالَ الْأَعْشَى:
أَتَانَا عَن بني الأحرار عَنهُ قولٌ لَمْ يكن أمَمَا
وَقَالَ ابْن قيس الرّقَيَّات:
كوفيةٌ نازحٌ مَحَلّتُهالَا أممٌ دَارُهَا وَلَا صقبُ
الْأُمَم: الْقَصْد، والصقب: الْقرب، وَمِنْه: الْجَار أحقٌّ بصقبه، وَقَالَ الشَّاعِر:
وَلَو نارُ لَيْلى بالعَذِيبِ بَدَتْ لَنَالَحَبَّتْ إِلَيْنَا دَارَ من لَا يصاقبُ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
فَمَا أنْسَ ملْ الأشياءِ لَا أنسَ قَوْلَهالَعَلَّ النَّوى بَعْدَ التَّفَرُّقِ تصقبُ
وَهَذَا بَاب يكثر ويتسع جدا، وَفِيمَا ذكرنَا مِنْهُ هَا هُنَا بل فِي بعضه كِفَايَة.
وَمعنى قَوْله: يفِيء عَلَيْهَا الظل، معنى يفِيء: يرجعن يُقَال فَاء الظل أَي رَجَعَ قَبْلَ الزَّوَال، وَلَا يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ فيءٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فَيْء بَعْدَ الزَّوَال لرجوعه، وكلا الْوَجْهَيْنِ ظلُّ، قَالَ حُمَيْد بْن ثَوْر الهلاليّ:
فَلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَى نستطيعهُوَلَا الفَيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ نذوقُ
وَمن هَذَا سُمِّيَ مَا رَدَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمنِينَ من مَال الْمُشْركين فَيْئًا، وَقَالَ اللَّه ﷿: " وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم "، وَقَالَ: " وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ من أهل الْقرى "، وَقَالَ تقدَّس اسْمه: " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ "، وَقَالَ: " فَإِن فاءوا " أَي رجعُوا إِلَى غشيان من آلوا من نِسَائِهِم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا وَاسع بيِّن.
وَقَول امْرِئ الْقَيْس: عرمضها طامي، العَرْمَض: الطُّحْلب الَّذِي يكون فِي المَاء وَيُقَال لَهُ عرمض وعَلْفق ونَوْر، وَقَوله: طامي، يَعْنِي أنَّه عَال يُقَالُ: طما الْوَادي إِذَا امْتَلَأَ وَعلا مَاؤُهُ، قَالَ الْأَعْشَى:
مَا جُعل الْجُدُّ الظَّنُون الَّذِيجُنِّب صَوْبَ اللّجْبِ الماطِرِ
مثلُ النَّواتِيِّ إِذَا مَا طمايَقْذِفُ بالْبُوصيِّ والماهر
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع