من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الْمَأْمُون يتركُ جَارِيَته الحبيبة إِلَى بِلَاد الرّوم
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن مَالك النَّحْويّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن أبي حَمَّاد الموكبي، عَنْ أَبِيه، قَالَ: لمّا وصفت لِلْمَأْمُونِ جَارِيَة بِكُل مَا تُوصَف بِهِ امْرَأَة من الْكَمَال وَالْجمال، فَبعث فِي شِرَائهَا فَأتى بهَا وَقت خُرُوجه إِلَى بِلَاد الرّوم، فَلَمّا هَمّ بِلبْس درعه خطرت بِبَالِهِ فَأمر فأخرجت إِلَيْهِ، فَلَمّا نظر إِلَيْهَا أعجب بهَا وأعجبت بِهِ، فَقَالَت: مَا هَذَا: قَالَ: أُرِيد الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الرّوم. قَالَتْ: قَتَلتنِي وَالله يَا سَيِّدي، وجَرَتْ دموعها عَلَى خدها كنظَم اللُّؤْلُؤ، وأنشأت تَقول:
سأدْعُو دَعْوَة الْمُضْطَر رَبًّايُثيبُ عَلَى الدُّعَاء ويستجيب
لَعَلَّ الله أَن يَكْفِيك حَربًاويجمعنا كَمَا تهوى الْقُلُوب
فضم الْمَأْمُون إِلَى صَدره وَأَنْشَأَ متمثلاُ يَقُول:
فيا حسنها إِ يَغْسِل الدمع كُحْلَهاوَإِذ هِيَ تَذْري الدمْعَ مِنْهَا الأنامل
صَبِيحَة قَالَتْ فِي العتاب قَتَلْتنيوقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُناك تحاولُ
ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ: يَا مسرور احتفظ بهَا وَأكْرم محلهَا وَأصْلح لَهَا كلّ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من
المقاصير والخدم والجواري إِلَى وَقت رجوعي، فلولا مَا قَالَ الأخطل حِين يَقُولُ:
قومٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مآزرهمدُون النِّسَاء وَلَو بَاتَتْ بأطهارِ
ثُمَّ خَرَجَ فَلم يزل يتعهدها ويُصْلح مَا أُمِرَ بِهِ، فاعتلّت الْجَارِيَة عِلَّة شَدِيدَة أشْفق عَلَيْهَا مِنْهَا وَورد نعي الْمَأْمُون، فَلَمّا بلغَهَا ذَلِكَ تنفّستِ الصُّعداء وتُوفيت، وَكَانَ ممّا قَالَتْ وَهِي تُجودُ بِنَفسِهَا:
إِن الزَّمَان سقانا من مرارتهبَعْدَ الْحَلَاوَة أنفاسًا فأروانا
أبدى لَنَا تَارَة فأضحكناثُمَّ انثنى تَارَة أُخْرَى فأبكانا
إِنَّا إِلَى اللَّه فِيمَا لَا يزَال لَنَامن الْقَضَاء وَمن تلوين دُنيانا
دُنيا نَراها تُرينا من تَصَرُّفهامَا لَا يدومُ مصافاةً وأحْزَانا
ونحنُ فِيهَا كأنّا لَا نُزَايلهاللعيش أحياؤُنا يَبْكُونَ مَوْتانا
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع