من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
حكم مَا بَعْدَ لَوْلَا من الضَّمِير الْمُتَّصِل
قَالَ القَاضِي: قَول أم الشريف لَهُ فِي هَذَا الشّعْر:
لولاك بَعْدَ اللَّهِ لَمْ تَتَزَحْزَحِ
جَائِز عِنْدَ جَمِيع مُتَقَدِّمي النُّحاة ومتأخريهم، كُوفِيِّهم وبصريهم غلا أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزهُ ويطعن فِيمَا ورد فِي الشِّعر مِنْهُ، وينسُب قَائِله إِلَى الشذوذ ومفارقة السماع وَالْقِيَاس، وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر من هَذَا قَول ابْن أم الحكم:
وَأَنت امرؤٌ لولايَ طِحْتَ كَمَا هَوَىبأجرامه مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
وَقَالَ آخر:
تَقول لي من داخلِ الهَوْدجِلولاك هَذَا الْعَام لَمْ أَحججِ
وَقَول الآخر:
أتُطمع فِينَا من أراقَ دِمَاءَناولولاك لَمْ يَطْمعْ بأحسَابِنَا حَسَن
وَقد اخْتلف النحويون فِي مَوضِع مَا يَلِي لَوْلَا من الْمُضمر الْمُتَّصِل من الْإِعْرَاب، وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ والكسائيُّ يَقُولَانِ: هُوَ مجرور وَإِن كَانَ الظَّاهِر إِذَا حلَّ محلهُ رفع، وَكَانَ الْفراء والأخفش يحكمان عَلَى مَوْضِعه بِالرَّفْع، وَإِن كَانَ آتِيَا عَلَى الصُّورَة الَّتِي صِيغت فِي الأَصْل إِلَى ضمير الْمَجْرُور لغَلَبَة الِاشْتِرَاك فِي صِيغَة الْمُضمر بَينه وَبَين الْمُنْفَصِل وَهُوَ كثير فِي هَذَا الْبَاب، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فأحْسِنْ وأجْمِلْ فِي أسيرك إِنَّهُضَعِيفٌ وَلم يَأْسِرْ كإيّاك آسرُ
وَقَالُوا: أَنْت كأنا وَأَنا كَأَنْت، ولاستقصاء هَذَا الْبَاب والاحتجاج فِيهِ مَوضِع هُوَ أولى بِهِ من هَذَا الْموضع، والأفصح والأوضح فِي الْعَرَبيَّة سَمَاعا وَقِيَاسًا: لَوْلَا أَنا وَلَوْلَا أَنْت، وَالْقَضَاء على مَوضِع هَذَا الْمُضمر الْمُنْفَصِل فَإِنَّهُ فِي مَوضِع رفع كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِر كَذَلِك، كَقَوْلِك: لَوْلَا زيدٌ وَلَوْلَا عَبْد اللَّه، غَيْر أَن الْوَجْه الآخر جَائِز، كَمَا قَالَ جُمْهُور النَّحْوِيين لروايتهم إِيَّاه عَنِ الْعَرَب وَمَا اسْتشْهدُوا بِهِ من أشعارها، وَلَيْسَ بمطرحٍ لَاحق باللحن المرغوب عَنْهُ كَمَا زعم أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع