من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
عمَّة مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى تستشفع لَهُ لَدَى المعتضد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كَانَ مَعَ المعتضد أعرابيٌّ فصيح يُقَالُ لَهُ شعلة بْن شهَاب الْيَشْكُرِي، وَكَانَ يأنس بِهِ فَأرْسلهُ إِلَى مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن شيخ وَكَانَ عَارِفًا بِهِ ليرغّبه فِي الطَّاعَة ويُحَذره الْعِصْيَان ويرفق بِهِ، فَقَالَ شعلة بْن شهَاب فصرت إِلَيْهِ فخاطبته أقرب خطاب فَلم يجبني، فوجهت إِلَى عمته أم الشريف فصرت إِلَيْهَا فَقَالَت: يَا أَبَا شهَاب! كَيْفَ خلفت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقلت: خلفتهُ وَالله أمارًا بِالْمَعْرُوفِ فَعّالا للخير، متعزّزًا عَلَى الْبَاطِل متذلِّلا للحقّ، لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم، فَقَالَت لي: أهل ذَلِك هُوَ مُسْتَحقّه ومستوجبهُ، وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهُوَ ظلُّ اللَّه ﷿ الْمَمْدُود على بِلَاده، وخليفته عَلَى عباده، وأعزّ بِهِ دينه، وَأَحْيَا بِهِ سنُته، وَثبتت بِهِ شرائعه، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا شهَاب فَكيف رَأَيْت صاحبنا؟ قلت: رَأَيْت حَدَثًا معجبًا قَد استحوذ عَلَيْهِ السُّفَهَاء واستبدّ بآرائهم وأنصت لأفواههم، يزخْرفون لَهُ الْكَذِب ويُوردونه النَّدَم، فَقَالَت: هَلْ لَك أَن ترجع إِلَيْهِ بكتابي قَبْلَ لِقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، فلعلك تَحُلُّ عقدةَ السُّفَهَاء؟ قَالَ: قلت: أَجلْ، فَكتبت إِلَيْهِ كتابا حسنا لطيفاً معجبًا أجزلتْ فِيهِ الموعظة وأخلصت فِيهِ النَّصِيحَة بِهذه الأبيات:
اقبل نصيحةَ أُمٍّ قلبُها وَجِلٌعَلَيْكَ خوفًا وإشفاقاً وَقل سدداً
وَاسْتعْمل الْفِكر فِي قولي فَإنَّك إنْفكّرتَ ألفيتَ فِي قولي لَك الرَّشَدا
وَلَا تثق بِرِجَال فِي قلوبهمُضغائن تبعثُ الشنآن والحَسَدا
مثل النعاج خمولا فِي بُيُوتهمحَتَّى إِذَا أمنُوا ألفيتَهم أسْدا
وداوِ داءك والأدواء مُمكنَةوَإِذ طبيبك قَدْ ألْقى إِلَيْكَ يَدَا
أعْط الْخَلِيفَة مَا يَرْضِيه مِنْك وَلَاتمْنعه مَالا وَلَا أَهلا وَلَا ولدا
وارددْ أَخا يشْكر ردًّا يكونُ لَهُرِدْءا من السوءِ لَا تُشْمِتْ بِهِ أحدَا
قَالَ: فَأخذت الكتابَ وصرت بِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى، فَلَمّا نظر فِيهِ رمى بِهِ إليَّ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخا يشْكر مَا بآراء النِّسَاء تتمُّ الْأُمُور، وَلَا بعقولهنّ يُسَاسُ الْملك، ارْجع إِلَى صَاحبك. فَرَجَعت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَخْبَرته الْخَبَر عَلَى حقِّه وَصدقه، فَقَالَ: وَأَيْنَ كتابُ أم الشريف؟ فدفعتُه إِلَيْهِ فقرأه وَأَعْجَبهُ شعرهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالله إِنِّي لأرج أَن أشفّعها فِي كثير من الْقَوْم، فَلَمّا كَانَ من فتح آمد مَا كَانَ، أرسل المعتضد فَقَالَ: يَا شُعلة! هَلْ عِنْدَك عَلَمُ من أم الشريف؟ قَالَ: قلت لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَامْضِ مَعَ هَذَا الْخَادِم فَإنَّك
ستجدها فِي جملَة نسائها، قَالَ: فمضيت فَلَمّا بصرت بِي من بعيد سَفَرتْ عَنْ وَجههَا، وأنشأت تَقول:
رَيْبُ الزَّمَان وصَرْفُهُمُعْتَادةٌ كشف القناعا
أذلّ بعد الْعِزّ منا الصَعب والبَطَل الشُّجَاعا
وَلكم نصحتُ فَمَا أطعت وَكم حَرَصْتُ بِأَن أطاعا
فَأبى بِنَا الْمِقْدَار إِلَّاأَن نقتسم أَوْ نُباعا
يَا لَيْت شعري هَلْ ترىيَوْمَا لفُرْقتنا اجتماعا
قَالَ: ثُمَّ بَكت حَتَّى علا صَوتهَا وضرت بِيَدِهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَقَالَت: يَا أَبَا شهَاب إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، كَأَنِّي وَالله كنت أرى مَا أرى، فَقلت لَهَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَجه بِي إِلَيْكَ وَمَا ذَاك إِلَّا لجيل رَأْيه فِيك، فَقَالَ: هَلْ لَك أَن توصل لي رقْعَة إِلَيْهِ، قلت: فدفعَتْ إليَّ رقْعَة فِيهَا:
قل للخليفة وَالْإِمَام الْمُرْتَضَىابْن الخلائف من قُرَيْش الأبطحِ
عَلَم الْهُدى وسِرَاجه ومَنَارهمِفتاحُ كُلِّ عظيمةٍ لَمْ تفتحِ
بك أصلح اللَّه الْبِلَاد وَأَهْلهَابَعْدَ الْفساد وَطَالَ مَا لَمْ تصلح
فتزحزحت بك هَضْبَةُ العَرَب الَّتِيلولاك بَعْدَ اللَّه لَمْ تَتَزَحْزَحِ
أَعْطَاك رَبك مَا تحبُّ فأعطهمَا قَدْ يُحِبُّ وجدُ بعفوك وَاصْفَحْ
يَا بهجة الدُّنْيَا وَبدر مُلُوكهاهَب ظَالِميَّ ومُفْسِدِيّ لُمْصِلحي
قَالَ: فَأخذت الرقعة وصرت بهَا إِلَى المعتضد، فَلَمّا قَرَأَهَا ضحك، وَقَالَ: لَقَدْ نصحت لَوْ قُبل مِنْهَا فَأمر أَن تحمل إِلَيْهَا خَمْسُونَ ألف دِرْهَم وَخَمْسُونَ تَخْتًا من الثِّيَاب، وَأمر بِأَن يحمل مثل ذَلِكَ إِلَى مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع