تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الحَجَّاج يُؤمن النّاس إِلَّا أَرْبَعَة

حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن الْحَسَن بْن مُوسَى، عَنْ عَبْد اللَّه بْن حمد التَّيْميّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَفْص، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن فضَالة الزهْرَانِي، قَالَ: نَادَى مُنَادِي الحَجَّاج بْن يُوسُف يَوْمَ رستقا باذ: آمن النّاس كلهم إِلَّا أَرْبَعَة: عبد الله بن الْجَارُود وع بن فضَالة وَعِكْرِمَة بن ربعي وَعبد اللَّه بْن زِيَاد بْن ظبْيَان، قَالَ: فَأتى بِرَأْس عَبْد اللَّه بْن الْجَارُود فَلم يصدق فَرحا بِهِ، وَقَالَ: عمموه لي أعرفهُ فَإِنِّي لَمْ أره قَطّ إِلَّا معممًا فعمم لَهُ فَعرفهُ، فَأمر الْمُنَادِي فَنَادَى: أَمن النّاس إِلَّا ثَلَاثَة: عَبْد اللَّه بْن فضَالة وَعبيد اللَّه بْن زِيَاد بْن ظبْيَان وَعِكْرِمَة بْن ربعي، فَأَما عبيد الله بن زِيَاد فَإِنَّهُ انْطلق إِلَى عمان فَأَصَابَهُ الفالج بهَا فَمَاتَ، وأمّا عِكْرمة ابْن ربعي فَإِنَّهُ لحقته خيل الحَجَّاج فِي بَعْض سِكَك المربد فعطف عَلَيْهِمْ فَقتل مِنْهُم نيفًا وَعشْرين رَجُلا ثُمَّ قَتَلُوهُ، وأمّا عَبْد اللَّه بْن فضَالة فَإِنَّهُ أَتَى خُرَاسَان فَلم يزل بهَا حَتَّى وُلّي الْمُهلب خُرَاسَان فَأمر بِأَخْذِهِ حَيْث أَصَابَهُ، وَقيل لَهُ: أكِنّ ذَلِكَ وَلَا تبده فيحذر ويحرز فاحرص عَلَى أسره دون قَتله، قَالَ: فَبعث الْمُهلب ابْنه حبيبا أَمَامه فساق من سوق الأهواز إِلَى مَرْو عَلَى بغلة شهباء فِي سبْعٍ عشرَة لَيْلَة فَأَخذه غارا بمرور وَهُوَ لَا يشْعر، ثُمَّ كتب إِلَى الحَجَّاج يُعلمهُ ذَلِكَ، فجَاء الْمُغيرَة بْن الْمُهلب إِلَى منزل حَبَّة ابْنَة الفَضْل، امْرَأَة عَبْد اللَّه بْن فضَالة وَهِي ابْنَة عَم عَبْد اللَّه، فَأرْسل إِلَيْهَا أنَّ حبيبا قَدْ أَخذ عَبْد اللَّه، وَقد كتب إِلَى الحَجَّاج يُعلمهُ بذلك، فَإِن كَانَ عنْدك خَير فشأنك وعولي عليّ من المَال مَا بدا لَك، فَأرْسلت إِلَيْهِ: لَا وَلَا كَرَامَة، تَقْتُلُونَهُ وآخذ مِنْكُم المَال، هَذَا مَا لَا يكون، فتحولت إِلَى منزل أَخِيهَا لأمها خولي بْن مَالك الرَّاسِبِي وَأرْسلت إِلَى بني سَعْد فاشتُرى لَهَا بَاب

عَظِيم وألقته عَلَى الخَنْدَق لَيْلًا ثُمَّ جَازَت عَلَيْهِ فَغشيَ عَلَيْهَا، فَلَمّا أفاقت قَالَتْ: إِنِّي لَمْ أكن أتعب، فَمَتَى أصابني هَذَا فشدوني وثاقًا ثُمَّ سِيرُوا بِي، فَخرجت مَعَ خَادِمهَا وغلامها ودليلها، لَا يَعْلَمُ بهَا أحد، فسارت حَتَّى دخلت دمشق عَلَى عَبْد الْملك بْن مَرْوَان، فَأَتَت أم أيّوب بِنْت عَمْرو بْن عُثْمَان بْن عَفَّان، وَكَانَت أمهَا بِنْت ذُؤَيْب بْن حلحلة الْخُزَاعِيّ، قَالَتْ: يَا أم أَيُّوب قصدتك لمر بهظني وغم كظمني وأعلمتها الْخَبَر وقصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَقَالَت أم أَيُّوب: قَدْ: كنت أسمع أَمِير الْمُؤمنِينَ يكثر ذَكَرَ صَاحبك وَيظْهر التلظي عَلَيْهِ، قَالَتْ: وَأَيْنَ رحلتي إِلَيْكَ؟ قَالت: سأدخلك مدخلًا وأجلسك مَجْلِسا إِن شفّعت فَفِيهِ، وَإِن رددت فَلا تنصبي، فَلا شَفَاعَة لَك بعده فأجلستها فِي مجلسها الَّذِي كَانَتْ تجْلِس فِيهِ لدُخُول عَبْد الْملك لَيْلًا، وَجَلَست أم أيّوب قَرِيبا مِنْهَا فَقَالَت لَهَا: إِذَا دَخَلَ فشأنك، فَدخل عَبْد الْملك لَيْلًا مغترًا، فَلَمّا دنا أخذت بِجَانِب ثَوْبه ثُمّ قَالَت: هَذَا مَكَان العائذ بك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَفَزعَ عَبْد الْملك وَأنكر الْكَلَام، فَقَالَت أم أيّوب: مَا يفزعك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من كَرَامَة سَاقهَا اللَّه ﷿ إِلَيْكَ! فَقَالَ: عذت معَاذًا، فَمن أَنْت؟ قَالَتْ: تُؤَمن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من جئْتُك فِيهِ من كَانَ من خَلْق اللَّه تَعَالَى مِمَّن تعرف أَوْ لَا تعرف، مِمَّن عظم ذَنبه لديك أَوْ صغر شاميًا أَوْ عراقيًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ من الْآفَاق؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ آمن، قَالَتْ: بِأَمَان اللَّه ﷿ ثُمَّ أمانك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمن هُوَ أيتها الْمَرْأَة؟ قَالَتْ: عَبْد اللَّه بْن فضَالة، قَالَ: أرسلي ثوبي أنبئك عَنْهُ، قَالَتْ: أغدرًا يَا بني مَرْوَان؟ قَالَ: لَا، أرسلي ثوبي أحَدثك ببلائك عِنْدَهُ، وَهُوَ آمن لَك ولمعاذك قَالَتْ: فَحَدثني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببلائك عَنده، قَالَ: ألم تعلمي أَنِّي وليته السوس وجندي سَابُور وأقطعته كَذَا وَكَذَا وفرضت لَهُ كَذَا ونوهت بِذكرِهِ وَرفعت من قدره؟ قَالَتْ: بلَى وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَفلا أحَدثك ببلائه عنْدك؟ قَالَ: بلَى، قَالَتْ: أتعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن دَاره هدمت ثَلَاث مَرَّات بسببك لَا يسْتَتر من السَّمَاء بِشَيْء، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: أفتعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أنَّكَ كتبت إِلَى وُجُوه أَهْلَ الْبَصْرَة وأشرافها وكتبت إِلَيْهِ فَلم يكن مِنْهُم أحد أجابك وَلَا أطاعك غَيره، قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: أفتعلم أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ زلته سَيْفا لَك عَلَى أعدائك وسلمًا وبساطًا لأوليائك قَالَ: نَعَمْ، حَسبك قَدْ أجبْت وأبلغت، قَالَتْ: أفيذهب يَوْمَ من إساءته بِصَالح أَيَّامه وطاعته وَحسن بلائه، قَالَ: لَا، هُوَ آمن، قَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه الدما وَإنَّهُ الحَجَّاج وَإنَّهُ إِن رَآهُ قَتله، قَالَ: كَلا، قَالَتْ: فالكتاب مَعَ الْبَرِيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَكتب لَهَا كتابا مؤكدا: إياك وإياه أحسن جائزته

ورفده وخل سَبيله، ثُمَّ وَجه بِهِ مَعَ الْبَرِيد، ثمَّ أقبل عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا أَنْت مِنْهُ؟ قَالَتْ: امْرَأَته وَابْنَة عَمه، قَالَ: فَضَحِك وَقَالَ: أَيْنَ نشأت، قَالَتْ: فِي حجر أَبِيهِ، قَالَ: فوَاللَّه لأَنْت أعرب مِنْهُ وأفصح لِسَانا، فَهَل مَعَه غَيْرك؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، قَالَ: النميري قَالَتْ: نَعَمْ، وَكَذَا وَكَذَا جَارِيَة، قَالَ: فَأَنا أوليك طَلاقهَا وَعتق جواريه، قَالَتْ: بل تهنيه نِسَاءَهُ كَمَا هنأته دَمه، فَأقبل عَلَى أم أَيُّوب فَقَالَ لَهَا: يَا أم أيّوب لَا نسَاء إِلَّا بَنَات الْعم. ثُمَّ قَالَ: أقيمي عِنْدَ أم أَيُّوب حَتَّى يَأْتِيك الْكتاب بمحبتك إِن شَاءَ اللَّه، وقدِم الْكتاب وَقد قَدِمَ بِهِ على الْحجَّاج من خُرَاسَان، فأقامه للنَّاس فِي سَرَاوِيل وَقد كَانَ نزع ثِيَابه قَبْلَ ذَلِكَ وَعرضه عَلَى النّاس فِي الْحَدِيد ليعرفوه، فَلَمّا أَمْسَى دَعَا بِهِ الحَجَّاج فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: أتأذن لي فِي الْكَلَام؟ قَالَ: لَا كَلَام سَائِر الْيَوْم، قَالَ: فَكَسَاهُ وَحمله وَأَجَازَهُ وخلى سَبيله، وَانْصَرف إِلَى أَهله فَسَأَلَهُمْ عَن حبه، فَأخْبر بأمرها وَقيل لَهُ: مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهت، ثُمَّ بلغه مَا صنعت، فَكتب إِلَيْهَا: إِنَّك قد صنعت مَا لم تصنع أُنْثَى فأعلميني بمقدمك أتلقاك ويتلقاك النّاس معي، فَلم تعلمه حَتَّى قدمت لَيْلًا وَهُوَ عِنْدَ ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، فَقَالَت: لَا وَالله لَا يُؤذن بِي اللَّيْلَة، فَلَمّا أصبح، أخبر بمكانها فَأَتَاهَا. رفده وخل سَبيله، ثُمَّ وَجه بِهِ مَعَ الْبَرِيد، ثمَّ أقبل عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا أَنْت مِنْهُ؟ قَالَتْ: امْرَأَته وَابْنَة عَمه، قَالَ: فَضَحِك وَقَالَ: أَيْنَ نشأت، قَالَتْ: فِي حجر أَبِيهِ، قَالَ: فوَاللَّه لأَنْت أعرب مِنْهُ وأفصح لِسَانا، فَهَل مَعَه غَيْرك؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، قَالَ: النميري قَالَتْ: نَعَمْ، وَكَذَا وَكَذَا جَارِيَة، قَالَ: فَأَنا

أوليك طَلاقهَا وَعتق جواريه، قَالَتْ: بل تهنيه نِسَاءَهُ كَمَا هنأته دَمه، فَأقبل عَلَى أم أَيُّوب فَقَالَ لَهَا: يَا أم أيّوب لَا نسَاء إِلَّا بَنَات الْعم. ثُمَّ قَالَ: أقيمي عِنْدَ أم أَيُّوب حَتَّى يَأْتِيك الْكتاب بمحبتك إِن شَاءَ اللَّه، وقدِم الْكتاب وَقد قدم بِهِ على الْحجَّاج من خُرَاسَان، فأقامه للنَّاس فِي سَرَاوِيل وَقد كَانَ نزع ثِيَابه قَبْلَ ذَلِكَ وَعرضه عَلَى النّاس فِي الْحَدِيد ليعرفوه، فَلَمّا أَمْسَى دَعَا بِهِ الحَجَّاج فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: أتأذن لي فِي الْكَلَام؟ قَالَ: لَا كَلَام سَائِر الْيَوْم، قَالَ: فَكَسَاهُ وَحمله وَأَجَازَهُ وخلى سَبيله، وَانْصَرف إِلَى أَهله فَسَأَلَهُمْ عَن حبه، فَأخْبر بأمرها وَقيل لَهُ: مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهت، ثُمَّ بلغه مَا صنعت، فَكتب إِلَيْهَا: إِنَّك قد صنعت مَا لم تصنع أُنْثَى فأعلميني بمقدمك أتلقاك ويتلقاك النّاس معي، فَلم تعلمه حَتَّى قدمت لَيْلًا وَهُوَ عِنْدَ ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، فَقَالَت: لَا وَالله لَا يُؤذن بِي اللَّيْلَة، فَلَمّا أصبح، أخبر بمكانها فَأَتَاهَا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّامِن عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.