من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ يردُّ عَلَى اتهام الرشيد لَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا يزِيد بْن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: كنت جَالِسا بَيْنَ يَدي هَارُون الرشيد أنْشدهُ شعرًا، وَأَبُو يُوسُف القَاضِي جَالس عَلَى يسَاره، فَدخل الفَضْل بْن الرّبيع، فَقَالَ: بِالْبَابِ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ، فَقَالَ: أدخلهُ، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ: السّلام عَلَيْكَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته، فَقَالَ لَهُ الرشيد: لَا سلّم اللَّه عَلَيْكَ وَلَا قَرَّب دَارك وَلَا حَيّا مزارك، قَالَ: لَمْ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: أَنْت الَّذِي يحرم لبس السوَاد، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من أخْبرك بِهَذَا؟ لَعَلَّ ذَا أخْبرك؟ وَأَشَارَ إِلَى أبي يُوسُف - فعلى هَذَا لعنة اللَّه وعَلى أستاذه من قبله، وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَقَدْ خَرَجَ إِبْرَاهِيم عَلَى جَدِّك الْمَنْصُور فَخرج أخي مَعَه، وعزمت عَلَى الْغَزْو فَأتيت أَبَا حنيفَة فَذكرت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لي: مخرج أَخِيك أحِبَّ إليَّ ممّا عزمت عَلَيْهِ من الْغَزْو، وَوَاللَّه مَا حَرَّمت السوَاد. فَقَالَ الرشيد: فسلّم اللَّه عَلَيْكَ وقَرَّب دَارك وحَيّا مزارك، اجْلِسْ يَا أَبَا إِسْحَاق، يَا مسرور! ثَلَاثَة آلَاف دِينَار لأبي إِسْحَاق، فَأتى بهَا ووضعها فِي يَده وَخرج وَانْصَرف، فَلَقِيَهُ ابْن الْمُبَارك فَقَالَ: من أَيْنَ أَقبلت؟ فَقَالَ من عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقد أَعْطَانِي هَذِهِ الدَّنَانِير، وَأَنا عَنْهَا غنيّ، قَالَ: فَإِن كَانَ فِي نَفسك مِنْهَا شَيْءٍ فَتصدق بهَا فَمَا خَرَجَ من سوق الرافقة حَتَّى تصدق بهَا كلهَا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع