من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
مَتَى يُقَالُ اللَّيْلَة الْمَاضِيَة، وَمَتى يُقَالُ البارحة
قَالَ القَاضِي: جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر أنَّ الْأمين قَالَ: بَكِرًا أصابني البارحة، وَهَذَا كَلَام مستفيض فِي الْعَامَّة إِطْلَاقهم إِيَّاه فِي خطابهم وَفِيمَا يَرْوُونَهُ عَنْ غَيرهم، فَأَما أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فيذهبون إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ فِي أَوْل النَّهَار إِلَى زَوَال الشَّمْسُ لليلة الْمَاضِيَة كَانَ كَذَا وَكَذَا اللَّيْلَة، فَإِذا زَالَت الشَّمْسُ قَالُوا حِينَئِذٍ: البارحة، وَفِي هَذَا الْخَبَر ذَكَرَ الكأس، وَقد ذهب قَوْمٍ إِلَى أَنَّهَا اسْم للخمر وَاسم للإناء، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ " وَقيل إِنَّها فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه: صفراء، وَقَالَ الْفراء: الكأس: الْإِنَاء بِمَا فِيهِ، فَإِذا أَخذ مَا عَلَيْهِ وَبَقِي فَارغًا رَجَعَ إِلَى اسْمه إِن كَانَ طَبَقًا أَوْ خُوَانًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْض أَهْلَ التَّأْوِيل: الكأس الْخمر، قَالَ الله ﷿: " إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مزاجها كافوراً " وَقَالَ جلَّ ذكره: " وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كأساً كَانَ مزاجها زنجبيلاً " وَأنْشد أَبُو عُبَيْدة:
ومَا زَالَتِ الكَأسَ تَغْتَالُنَاوتَذْهَبُ بالأوَّلِ الأوَّلِ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وكأسٍ شربتُ عَلَى لَذَّةوَأُخْرَى تداويتُ مِنْها بهَا
وَقَالَ آخر:
ومَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يمت هَرَمَاالْمَوْت كأسٌ والمرءُ ذَائِقُها
العبطة: أَن يَمُوت الرَّجُل من غَيْر عِلّة، وَمن هَذَا قَوْلهم: دمٌ عبيط إِذَا كَانَ طريًا قَدْ خَرَجَ من جسم صَحِيح، وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتانيّ: لَا يُقَالُ للْمَوْت كأس، قَالَ القَاضِي: وَهَذَا خطأ مِنْهُ، قَدْ يُضَاف الكأس إِلَى الْمنية، وَقد تُوصَف الْمنية بِأَنَّهَا كأس كَمَا تُوصَف بِأَنَّهَا رَحَى، ويضاف إِلَيْهَا الرّحى فَيُقَال: الْمنية رحى دَائِرَة عَلَى الْخلق، وللمنية عَلَى النّاس رَحَى دَائِرَة، وللموت كأسٌ مرّة، وَالْمَوْت كأس كريهة، وَيُقَال شرب فلَان كأس الْمنية، فيضاف الكأس إِلَيْهَا، قَالَ مهلهل:
مَا أُرَجِّي العيشَ بَعْدَ نَدَامَيقَدْ أَرَاهُمُ سُقُوا بكأس حَلاقِ
أَي بكأس الْمنية، لِأَن حلاق من أَسمَاء الْمنية بِمَنْزِلَة حَذَام وقطام، وَرَوَاهُ بكأس خلاق بِالْخَاءِ فَقَالَ: يَعْنِي بكأس تصيبهم من الْمَوْت وَهَذَا أَكثر وَأشهر من أَن يخيل عَلَى عَالم بِالْعَرَبِيَّةِ، وأعجب بذهابه عَلَى أبي حَاتِم مَعَ سَعَة مَعْرفَته، وَلَكنهُمْ بِشْر وَأَنِّي إِنْسَان يُحِيط بِالْعلمِ كُله وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْءٍ من جَلِيِّه فضلا عَنْ غامضه وخَفيِّه، وَقد قَالَ الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَعْنى:
أَيْنَ الْقُرُون الَّتِي عَنْ حَظِّها غَفلَتْحَتَّى سَقَاها بكأسِ المَوْت سَاقِيها
وَقَالَ السِّجِسْتانيّ: فِي الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْمَوْت إنّما هُوَ الْمَوْت كأس، قَالَ: وَقطع ألف الْوَصْل لِأَنَّهَا فِي مُبْتَدأ النّصْف الثَّانِي وَهَذَا يحْتَمل، وَقَالَ: أنشدناه الْأَصْمَعِي لبَعض الْخَوَارِج، وَقَالَ: لَيْسَ لأمية بْن أبي الصَّلْت، قَالَ القَاضِي: وَقد رَوَت الروَاة هَذَا الشّعْر لأمية بْن أبي الصَّلْت وأمّا الْمَعْنى الَّذِي ذكره السِّجِسْتانيّ من تَجْوِيز قطع ألف الْوَصْل فقد جَاءَ فِي الشّعْر كثيرا كَقَوْل الشَّاعِر:
بأبِي امرؤٌ الشَّام بَيْني وبَيْنَهأَتَتْنِي ببِشْر بُرْدُه ورَسَائِلُه
وَقَالَ آخر:
إِذَا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُبِبَثٍّ وتَكْثِيِر الْوُشَاةِ قَمِينُ
وَقَالَ آخر:
أَلا لَا أرى إثْنَين أَحْسَنَ شِيمَةًعَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي ومِنْ جُمْل
وَأحسن هَذَا الْبَاب مَا كَانَ فِي الْأَوَائِل والأركان والأنصاف قَالَ حسان:
لتسْمَعُنَّ وشيكًا فِي ديارِهِمُاللَّه أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع