من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
فضل الْعقل
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ النُّورِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ
عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ إِلَى خَالِقِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْعَقْلِ، تَسْبِقُهُمْ بِالدَّرَجَاتِ وَالزُّلَفِ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ ".
قَالَ القَاضِي: وَهَذَا مَا يبين بِهِ شَرَف الْعقل وفضله، وَأَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة تَزْكو بِهِ ويتضاعف ثَوَاب عاملها بِحَسب حَظِّهم مِنْهُ، وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُل ليَكُون من أَهْلَ الصَّلاة وَأهل الصّيام وَأهل الْجِهَاد - حَتَّى عد سِهَام الْخَيْر - ويجازي إِلَّا عَلَى قَدْرِ عَقْله " وروى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا اسْتَوْدَعَ اللَّهُ ﷿ عَبْدًا عَقْلا إِلا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْمَا مَا ".
وَمَا روى عَنِ الْعقل وفضله، وَشرف مَنْزِلَته، وعظيم نَفعه، أَكثر من أَن يُحْصى.
وَقد حَدَّثَنَا الْحَارِث بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ حَسَنٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ ". وَإِن فِي هَذَا مَا يرغب فِي اقتباس الْعلم واكتساب الْحِكْمَة وَرفع الْمَرْء قدره عَنْ طبقَة الْعَوام، ومنزلة الهَمَج الطغام، فكم ذِي علم وَمَعْرِفَة وَحِكْمَة وبصيرة، قد نبه وسَمَا وارتفع وَعلا، وَصَارَ متبوعًا مُعظَمًّا وزَعيمًا مُقَدَّما، وَكم من ذِي قدر وَحسب، ومنصب وَنسب، وَمَال ونشب، وَشرف فِي أَصله، ومنزلة فِي أَهله، قَدْ هدم مَا بِنَاء لَهُ أَهله وشيّدوه، وخفض مَا رَفَعُوهُ، وحطَّ مَا عَلوه وعَمّدُوه، وَقد روينَا أَن بَعْض وُلْدِ رَوْحِ بْن حَاتِم بْن قُبَيصة بْن الْمُهلّب وُجد فِي الْقبَّة الَّتِي بِالْبَصْرَةِ، وَهِي الَّتِي يُقَالُ لَهَا " خضراء روح " عَلَى سوءة، فَقيل لَهُ: وَيْحك أَفِي مَحَلِّ شَرَفك؟! فَقَالَ:
ورثنا المجدَ عَنْ آباءِ صِدْقٍأسَأْنَا فِي دِيَارِهِم الصَّنِيعَا
وَمِمَّا يستحسن فِي هَذَا الْمَعْنى قَول الْقَائِل:
إنَّ الْفَتى من يَقُولُ هأنذالَيْسَ الفَتَى من يَقُولُ كَانَ أبي
وَللَّه در الْقَائِل:
لَسْنَا وإنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْأبدا عَلَى الأحساب نَتّكِلُ
نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أوائلُنا تبنيونفعل مثل مَا فَعَلُوا
وَقد رُوينا أنَّ زَيْدَ بْن عليّ تَمثّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَلَقَد كَانَ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ من أَعْلَام الْأَبْرَار وَالْأَئِمَّة الأخيار، سلك سَبِيل سلفه، واقتفى آثَارهم فارتفع واعتلى، وَأم أنوارهم فاستبصر واهتدى، وَرفع قواعدَ بنيانهم، وشيد وثيق أركانهم، واتّبع سبيلهم فِي نصْرَة حزب الإِسْلام وأوليائه، ومحاربة حَرْبِ الدِّين وأعدائه، وغَضِب لله ﷻ من طغيان
المترفين وعدوان الْمُسْرِفين، فَجَاهد فِي سَبِيل ربه بِنَفسِهِ وَمن أطاعه من أَهله الْمُتَّقِينَ، وأوليائه من أماثل الْمُسلمين، وإخوانه فِي الملَّة والدِّين، وَأبْدى صفحته، وبذل فِي ذَاتَ اللَّه مَاله وصحبته، فَقضى اللَّه تَعَالَى لَهُ بالتوفيق والسعادة، وَختم لَهُ بالفوز وَالشَّهَادَة، وَنَقله إِلَى دَار كرامته، وَجعل أعداؤه بغرض الانقلاب إِلَى دَار عَذَابه ونقمته.
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذِ الْمُؤِّدب خَلَف بْن أَحْمَد، قَالَ سَمِعت المازنيِّ ينشد:
وَلرُبَّ ذِي مالٍ ترَاهُ مُبَاعداكَالْكَلْبِ ينبحُ من وَرَاء البابِ
وَترى الأديب وَإِن دَهَتْه خَصَاصَةٌلَا يُسْتَخَفُّ بِهِ عَلَى الأبوابِ
وَلَقَد أحسن ابنُ الرُّومِي فِي قَوْله:
فَلا تفتخر إِلَّا بِمَا أَنت فاعلٌوَلَا تحسبن المَجْد يُوَرثُ كالنّسَب
وَلَيْسَ يَسُود المرءُ إِلَّا بِفِعْلِهِوَإِن عَدَّ آبَاء كرامًا ذَوِي حَسَب
إِذَا الْعُود لَمْ يُثْمِرْ وَإِن كَانَ شُعْبَةًمن الْمُثْمِرات اعْتَدَّه النّاسُ فِي الحَطَب
وَهَذَا بَاب يَتَّسِع وَيكثر جمعه، وَلنَا فِيهِ رِسَالَة تشْتَمل عَلَى جملَة كَثِيرَة مِنْهُ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع