من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الرشيد يحبس مُحَمَّد بْن اللَّيْث ثُمَّ يُطلقهُ ويكرمه
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن زَيْدُ أَبُو عليّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالحكيمي، قَالَ: سمعتُ أَحْمَد بْن يُوسُف الْكَاتِب يَقُولُ: حَدَّثَنِي ثُمَامَة بْن أَشْرَس، قَالَ: أول مَا أنكر يحيى بْن خَالِد من أمره، أنَّ مُحَمَّد بْن اللَّيْث أبي الرّبيع الْكَاتِب كتب إِلَى الرشيد رِسَالَة يَعِظُه فِيهَا وَيذكر فِيهَا يحيى بْن خَالِد وَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن يحيى بْن خَالِد لَا يُغني عَنْكَ من اللَّه شَيئًا، وَقد جعلته فِيما بَيْنك وَبَين اللَّه ﷿، فَكيف أَنْت إِذا وقفت بَيْنَ يَدَيْهِ فسألك عَمَّا عملت فِي عباده وبلاده، فَقلت: أَي رب! استكفيت يحيى بْن خَالِد أُمُور عِبَادك، أتراك تحتج بِحجَّة يرضاها؟ مَعَ كَلَام فِيهِ توبيخ وتقريع، فَلَمّا قَرَأَهَا الرشيد دَعَا يحيى بْن خَالِد وَقد تَقَدَّمَ إِلَى يحيى خبر هَذِهِ الرسَالَة، فَقَالَ لَهُ: أتعرف مُحَمَّدًا بْن اللَّيْث؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فأيُّ الرِّجَال هُوَ؟ قَالَ: مُتّهم على الْإِسْلَام. فَأمر الرشيد بِمُحَمد بْن اللَّيْث فَوضع فِي المطبق فَأَقَامَ دهرًا، فَلَمّا تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فَأمر بِإِخْرَاجِهِ فأحضر، فَقَالَ لَهُ بَعْدَ مُخَاطبَة طَوِيلَة: يَا مُحَمَّد! أتحبني، قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: أوتقول هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وضعت فِي رِجلي الأكْبَالَ وحلت بيني وَبَين الْعِيَال بِلَا ذَنْب وَلَا حَدَثٍ أحدثتُ سوى قَول حَاسِد يكيدُ الْإِسْلَام وَأَهله، وَيُحب الْإِلْحَاد وَأَهله، فَكيف أُحِبَّكَ؟ قَالَ: صدقت، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ثُمّ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد بْن اللَّيْث أتحبني، قَالَ لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن قَدْ ذهب بَعْض مَا كَانَ فِي قلبِي، فَأمر أَن يدْفع إِلَيْهِ من
سَاعَته مائَة ألف دِرْهَم فأحضرت، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد أتحبني؟ قَالَ: أما الْآن فَنعم، قَدْ أَنْعَمت وأحسنت، فَقَالَ: انتقم الله لَك مِمَّن ظلمك وَأخذ بحقِّك مِمَّن بغى عَلَيْكَ، فَكَانَ هَذَا أول مَا ظهر من الرشيد فِي أَمر يحيى بْن خَالِد ثُمَّ تَزَيّد الْأَمر بَعْدَ ذَلِكَ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع