تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

وُفُود كَثِيرَة عزَّة عَلَى عَبْد الْملك وَحَدِيثه مَعَه

حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عليّ بن المزربان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن هَارُون النَّحْوِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أبي يَعْقُوب الدينَوَرِي، قَالَ: أَخْبرنِي نصر بْن مَنْصُور، عَنِ الْعُتْبِي، قَالَ: كَانَ عَبْد الْملك بْن مَرْوَان يحب النّظر إِلَى كُثَيِّر إِذَا دخل عَلَيْهِ آذنه يَوْمَا، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا كُثَيِّر بِالْبَابِ، فَاسْتَبْشَرَ عَبْد الْملك، وَقَالَ: أَدْخِلْه يَا غُلَام،

فَدخل كُثير وَكَانَ دميمًا حَقِيرًا تَزْدَريه الْعين فسلّم بالخلافة، فَقَالَ عَبْد الْملك: تَسْمَع بالْمُعَيْديِّ خيرٌ من أَن ترَاهُ، فَقَالَ كثير: مهلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَإِنَّمَا الرَّجُل بأصغريه - قَالَ القَاضِي: الْعَرَب تَقول: تسمع بالمعيديِّ لَا أَن ترَاهُ، وَأَن تسمع بالمعيدي خَير من أَن ترَاهُ، وَهُوَ مَثَلٌ سَائِر - بِلِسَانِهِ وَقَلبه، فَإِن نَطَق نَطَقَ بِبَيَان، وَإِن قَاتل قَاتل بحنان، وَأَنا الَّذِي أَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ:

وَجَرَّبْتُ الأمورَ وَجَرَّبَتْنِيفقد أبدتْ عَريكَتي الأمُورُ
وَمَا يَخْفَ الرِّجَالُ عَلَيَّ إِنِّيبِهِم لأخُو مُثَاقَبَة خَبِيرُ
تَرى الرَّجُل النّحيفَ فتزدريهوَفِي أثوابه أسدٌ يَزِيرُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
ويُعْجِبكَ الطّرِيرُ فتبتليهفيُخْلِفُ ظَنّكَ الرَّجُل الطّريرُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
وَمَا عِظَمُ الرِّجَال لَهُمْ بِزَيْنٍوَلَكِن زَيْنُهَا كَرَمٌ وخيرُ
بُغَاثُ الطّيْر أطْوَلُها جُسُومًاوَلم تَطِلِ الْبُزَاةُ وَلَا الصُّقُورُ

وروى

بغاث الطّير أَكْثَرهَا فِرَاخًاوأمُّ الصَّقْر مِقْلاتٌ نَزُور
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

وَفِي بغاث الطير لُغَتَانِ: بَغَاث وبِغَاث بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فَأَما الضَّم فخطأ عِنْدَ أَهْلَ الْعلم باللغة، فقد أجَاز بَعضهم الضَّم، والمقلات الَّتِي لَا يعِيش لَهَا وُلِدَ، والقلت بِفَتْح اللَّام: الْهَلَاك، وَمن ذَلِكَ مَا روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسَافر وَمَا مَعَه عَلَى قَلَتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّه ﷿ " وَمِنْه قَول الشَّاعِر

فَلم أر كالتّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍوَلَا كَلَيَالِي الحَجِّ أقْلَتْن ذَا هَوَى
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لا يُباءُ بِهِ دَمٌ،»

ويروى: أفلتن بِالْفَاءِ، فَأَما القلت بِسُكُون اللَّام: فالنقرة فِي الْجَبَل أَو الْحجر يجْتَمع فِيهَا المَاء، تجمع قلات، قَالَ الشَّاعِر:

كأنَّ عَيْنَيْهِ من الْغُئُورِقَلَتَان فِي جَوْف صَفًا مَنْقُورِ

ثُمَّ رَجعْنَا إِلَى شعر كُثَيِّر:

لَقَدْ عَظُم البَعِير بِغَيْر لُبٍّفَلَم يَسْتَغْنِ بالْعِظَمِ البَعِيرُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
فيركب ثُمَّ يضْرب بالهراوىفَلا عُرْفٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيرٌ

قَالَ القَاضِي فيروى:

يُجَرِّرهُ الصَّبِيُّ بكلِّ سَهْبٍويَحْبِسهُ عَلَى الْخَسْف الْجَرِير

قَالَ القَاضِي: الْجَرِير: الْحَبل، وَبِه سمي الرَّجُل: قَالَ الشَّاعِر:

يرى فِي كف صَاحبه خَلاءفيُفْزِعهُ ويُجْبِنُه الجريرُ

رَجعْنَا إِلَى شعر كُثَيِّر:

وعُودُ النّبْعِ يَنْبَتُ مُسْتَمِرًّاوَلَيْسَ يَطُول والقَصْبَاء خُور

قَالَ القَاضِي: النبع من كريم الشّجر وتتخذ مِنْهُ القسيّ، قَالَ الشَّاعِر:

ألم تَرَ أنَّ النّبْعَ يَصْلُب عُودُهُوَلَا يَسْتَوِي والخَرْوَعُ المَتَقصِّفُ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا أيها القلب الطروب المكلف»

وَقَالَ الْأَعْشَى:

ونَحْنُ أُنَاسٌ عُودُنا عُودُ نَبْعَةٍإِذَا افتخرَ الحَيّان بَكْرٌ وتَغْلِبُ

قَالَ: فَاعْتَذر إِلَيْهِ عبد الْملك وَرفع مَجْلِسه، ثُمَّ قَالَ: يَا كثير! أَنْشدني فِي إخْوَان دهرك هَذَا، فأنشده:

خَيْرُ إخوانِك الْمُشَارِكُ فِي المرروأين الشّريكُ فِي الْمُرِّ أَيْنَا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خير إخوانك المشارك في المرر»
الَّذِي إِن حضرت سرك فِي الحي وَإِن غبتَ كَانَ أُذْنًا وعَيْنًا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خير إخوانك المشارك في الأم»
ذَاك مثل الحسام أخلصه القين وجلاه الْجلاء فاداد رَيْنَا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خير إخوانك المشارك في الأم»

قَالَ القَاضِي: ويروى: جلاه التلام يُرِيد التلامذة والتلاميذ وهم الصياقلة هَا هُنَا، وَيُقَال التلام المدوس وَهُوَ حجر يُجلى بِهِ، رَجَعَ الشَّاعِر:

أنتَ فِي معشر إِذَا غبت عَنْهُمْبَدَّلُوا كلّ مَا يَزينك شَيْنَا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خير إخوانك المشارك في الأم»
فَإِذا مَا رأوك قَالُوا جَمِيعًاأَنْت من أكْرم الرِّجَال عَلَيْنَا

فَقَالَ لَهُ عَبْد الْملك: يغْفر اللَّه لَك يَا كُثَيِّر، فَأَيْنَ الإخوان؟ قَالَ: غَيْر أَنِّي أَنَا الَّذِي أَقُول:

صَدِيقُك حِينَ تَسْتَغْنِي كثيرٌومَالَكَ عِنْدَ فقركِ من صِدِيقِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «صَدِيقُكَ حينَ تَسْتَغْني كَثيرٌ»
فَلا تُنْكِر عَلَى أحدٍ إِذَا مَاطَوَى عَنْكَ الزِّيَارة عِنْدَ ضِيقِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «صديقك حين تستغي كثير»

وكنتُ إِذَا الصّديق أَرَادَ غيظيعلى حَنَقٍ وأشْرَقني برِيقِي غفرتُ ذُنُوبَه وصفحت عنهمخافة أَن أكونَ بِلَا صَدِيقِ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْخَامِس وَالْعشْرُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.