تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

عَدْلُ سَوَّار القَاضِي وانتصارُ الرشيد لَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا الزُّبَير، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلام، قَالَ: كَانَ حَمَّاد بْن مُوسَى صاحبَ أمرِ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وَالْغَالِب عَلَيْه، فحبس سَوَّارُ القَاضِي رجلا فِي بعض مَا يَحْبِس فِيهِ الْقُضاة، فَبعث حمادٌ فَأخْرج الرَّجُل من الْحَبْس فجَاء خَصْمُه إِلَى سَوَّار حَتَّى دخل، فَأَخْبَرَه أَن حَمَّادًا قَدْ أخرج الرَّجُل من الْحَبْس.

وَركب سَوَّارٌ حَتَّى دخل عَلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وَهُوَ قاعدٌ للنَّاس، وَالنَّاس عَلَى مَرَاتِبهمْ، فَجَلَسَ بِحَيْثُ يرَاهُ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان، ثُمّ دَعَا آخر من نظرائه، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ للْأولِ، فَأجَاب مثل جَوَاب الأول فأقعده مَعَ صَاحبه، فَفعل ذَلِكَ بجماعةٍ مِنْهُم، ثُمّ قَالَ لَهُم: انْطَلقُوا إِلَى حَمَّاد بْن مُوسَى فضعوه فِي الْحَبْس، فنظروا إِلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان فأعلموه مَا أَمرهم بِهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِم: أَن افعلوا مَا يَأْمُركُمْ بِهِ، فَانْطَلقُوا إِلَى حَمَّاد فوضعوه فِي الْحَبْس، وَانْصَرف سَوَّارٌ إِلَى منزله، فَلَمَّا كَانَ بالعشيِّ أَرَادَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الرّكُوب إِلَى سَوَّار، فجاءتْه الرُّسُل فَقَالُوا: إِن الأميرَ عَلَى الرّكُوب إِلَيْك، فَقَالَ: لَا، نحنُ بالركوب أولى إِلَى الْأَمِير.

فَركب إِلَيْهِ فَقَالَ: كنتُ عَلَى الْمَجِيء إِلَيْك أَبَا عَبْد اللَّه، قَالَ: مَا كنت لأجشم الْأَمِير ذَاك، قَالَ: بَلغنِي مَا صنع هَذَا الجاهلُ حَمَّاد، قَالَ: هُوَ مَا بلغ الْأَمِير، قَالَ: فَأحب أَن تَهَبَ لي ذَنْبَه، قَالَ: أفعلُ أَيهَا الْأَمِير، اردُدَ الرَّجُل إِلَى الْحَبْس، قَالَ: نعم، بالصَّغَرِ لَهُ والقماءة.

فَوجه إِلَى الرجل فحبسه وَأطلق حَمَّادًا، وَكتب بِذَلِك صاحبُ الْخَبَر إِلَى الرشيد، فَكتب إِلَى سوارٍ يُجرِّيه ويَحْمَدُهُ عَلَى مَا صنع، وَكتب إِلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان كتابا غليظًا يذكُرُ فِيهِ حَمَّادًا وَيَقُولُ: الرَّافِضِيُّ ابنُ الرَّافِضِيّ، واللَّهِ لَوْلَا أَن الوعيدَ أَمَام العقوبةِ مَا أدَّبْتُه إِلا بِالسَّيْفِ، ليَكُون عِظَةً لغيره ونَكَالا.

يفتاتُ عَلَى قَاضِي الْمُسْلِمِين فِي رَأْيه، ويركبُ هَوَاهُ لموضعِهِ مِنْك، ويَعْرِضُ فِي الْأَحْكَام استهانةً بِأَمْر اللَّهِ تَعَالَى، وإقداماً على أَمِير لمؤمنين، وَمَا ذَاك إِلا بك، وَبِمَا أرْخيتَ من رَسَنِه، فَأَنا للَّه لَئِن عَاد إِلَى مثلهَا ليجِدنِّي أغضبُ لدين اللَّه تَعَالَى، وأنتقمُ من أعدائه لأوليائه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الثَلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.