تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ

قَالَ الْقَاضِي: مَا أَسْكَرَ مِنَ الأَنْبِذَةِ فَهُوَ خمرٌ مُحَرَّمٌ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ:

كُلُّ شَرَابٍ مسكرٍ كَثِيرُهْمِنْ عِنَبٍ أَوْ غيْرِهِ عَصِيرُهْ
فَإنَّهُ محرمٌ يَسِيرُهْإِنِّي لَكُمُ من شَرِّهِ نَذِيرُهْ

ويحقق هَذَا مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبيّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: " أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ".

وَقَدْ ذكرنَا فِي كتبنَا الْفِقْهِيَّة الدليلَ من الْكتاب والسُّنَّة وَالْقِيَاس، عَلَى تَحْرِيم الأَنْبذةِ الَّتِي

أحَلَّها من أَحلَّها من مُتَفَقِّهة العراقين. وذُكِر من ذَلِكَ شَيْخُنا أَبُو جَعْفَر ﵁ فِي كتبه فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالفين فِيهِ، ونَقْضِ مَا اعتلُّوا بِهِ مَا تشرّف بِهِ النَّاصح لنَفسِهِ، النَّاظِر لدينِهِ، المحقِّق فِي نظره عَلَى مَوضِع الصَّوَاب مِنْهُ، فَأَما الرِّوَايَة الَّتِي حدَّث بهَا شريكٌ عَنْ عُمَر ﵁ فَإِنَّهَا مَعْرُوفَة وَلها نَظَائِر مروية عَنْهُ، وَهِي فِي تَأْوِيلهَا غَيْر مخالفةٍ لما ذهب إِلَيْهِ مُخَالفونا، مُخطئون عندنَا فِي تَأْوِيل بَعْضهَا، فَكيف يُظَنُّ بعمر غَيْر مَا أضفنا من القَوْل إِلَيْهِ، وحَمَلْنا تَأْوِيل الرِّوَايَات عَنْهُ عَلَيْه، وَقَدْ ثَبت عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنه: إِن عُبَيْد اللَّه شرب شَرَابًا وَإِنِّي سائلٌ عَنْهُ، فَإِن كَانَ مُسْكِرًا حَدَدْتُه، فَسَأَلَ عَنْهُ فَكَانَ مُسْكرًا فَحَدَّه، فَلم يسْأَل أيُّ سائلٍ عَنْهُ: إِن كَانَ فِي نوعٍ مخصوصٍ أَوْ نيئًا غَيْر مطبوخ، وَلا قَالَ أيُّ سائلٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه: هَلْ تَمَادى فِي شُرْب مَا شَرِبَهُ حَتَّى أسكره؟ أم اقْتصر عَلَى الْقَلِيل مِنْهُ؟ ووقف عِنْد مقدارٍ لَا يبلغ إِلَى السُّكْر بِهِ؟ وَقَدْ نُقِل عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحدُّ فِي الرَّائحة، فَأخذ بِهَذَا جمهورُ المتفقهين من أَهْل الْمَدِينَة.

وَلَيْسَ كتَابنَا هَذَا من مَوَاضِع الإطناب فِي هَذَا الْبَاب ومحاجّاة الْخُصُوم فِيهِ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الثَاني وَالثَلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.