تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الصُّغْرَى أظرفهن

حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زُهَيْر بْن حَرْب بْن أَبِي خَيْثَمَة، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير بْن بَكَّار، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَب عمي، قَالَ: ذكر لي رجلٌ من أَهْل الْمَدِينَة، أَن رَجُلا خرج حاجًّا فَنزل تَحت سرحةٍ فِي بعض الطَّرِيق من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، فَنظر إِلَى كتاب معلقٍ عَلَى السَّرْحة مَكْتُوب فِيهِ: بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم: أَيهَا الْحَاج القاصدُ بَيت اللَّه، إِن ثَلَاث أخواتٍ خَلَون يَوْمًا فبُحْنَ بأهوائهن وذكرن أشجانهن، فَقَالَت الْكُبْرَى:

عجبْتُ لَهُ إذْ زار فِي النَّومِ مَضّجَعيوَلَو زَارَني مُستيقظًا كَانَ أعْجَبَا

وَقَالَت الْوُسْطَى:

وَمَا زَارَنِي فِي النَّوْمِ إِلا خَيَالُهُفقلتُ لَهُ أَهلا وسَهْلا ومَرْحَبَا

وَقَالَت الصُّغْرَى:

بنفسي وَأَهلي من أرى كُلّ ليلةٍضَجِيعي وريَّاهُ من الْمِسْك أطْيَبَا

وَفِي أَسْفَل الْكتاب مَكْتُوب: رحم اللَّه امْرأ نظر فِي كتَابنَا هَذَا فَقضى بِالْحَقِّ بَيْننَا، وَلم يجر فِي الْقَضِيَّة، قَالَ: فَأخذ الْكتاب فَكتب فِي أَسْفَله:

أحدِّثُ عَنْ حورٍ تَحَدّثْن مرّةحَدِيث امرىءٍ سَاس الْأُمُور وجَرَّبا
ثلاثٌ كبكْرَاتِ الهجان عَقَائِلنَوَاعم يغلبن اللبيب المهذَّبا
خلون وَقَدْ غَابَتْ عيونٌ كثيرةٌمن اللائي قَدْ يهوين أَن يتغيبا
فبحن بِمَا يُخفين من لاعج الْهوىمَعًا واتخذن الشّعْر ملهًى وملعبا
عجبت لَهُ أَن زار فِي النَّومِ مَضّجَعيوَلَو زَارَني مُستيقظًا كَانَ أعجبا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أمنك سرى يا بثن طيف تأوبا»
فَلَمَّا أخْبرت مَا أخْبرت وتضاحكتتنفست الْأُخْرَى، وَقَالَت تطربا
وَمَا زَارَنِي فِي النَّوْمِ إِلا خَيَالُهُفقلتُ لَهُ أَهلا وسَهْلا ومَرْحَبَا
وشوقت الْأُخْرَى وَقَالَت مجيبةلَهُنَّ بقولٍ كَانَ أشهى وأعجبا
بنفسي وَأَهلي من أرى كُلّ ليلةٍضَجِيعي وريَّاهُ من الْمِسْك أطْيَبَا
فَلَمَّا تبينت الَّذِي قُلْنَ وانبرىلي الْحَكَم لَمْ أترك لذِي القَوْل مَعْتَبا
قضيت لصُغْراهن بالظّرف إنَّنيرَأَيْت الَّذِي قَالَتْ إِلَى الْقلب أعجبا

قَالَ القَاضِي: السَّرحة الشَّجَرَة، قَالَ عنترة يصف رَجُلا بِعظم الجثة وَكَمَال الْخلقَة وبهاء الصُّورَة:

بطلٌ كأنّ ثيابَهُ فِي سرحةٍتَحذى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقَالَ بعض الْأَعْرَاب:

يَا سرحة الدَّوح أَيْنَ الحيُّ واكبدارُوحِي تَذُوب وَبَيت اللَّهِ من حَسَرِ

وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي:

أَبى اللَّه إِلا أَن سَرْحَةَ مالكٍإِلَى الْقلب من بَين العضاه تروق

الدَّوْحُ: جمع دَوْحة، وَهُوَ مَا عظم من الشّجر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ السَّابع والثَلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.