من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
دَابَّة وَمَا أشبههَا لَا تقع فِي شعر
حَدَّثَنَا صديقنا الْحَسَن بْن خالويه، قَالَ: كتب الْأَخْفَش إِلَى صديق لَهُ من الْكتاب يستعير مِنْهُ دَابَّة، ودابة لَا تقع فِي شعر لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكنين، فَكتب إِلَيْهِ:
أردتُ الركُوب إِلَى حاجةٍفمرْ لي بفاعلةٍ من دَبَبْتُ
وَكَانَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ ظريفًا فَأَجَابَهُ:
بريذيننا يَا أخي غامزٌفكنْ سيِّدي فَاعِلا من عَذَرْتُ
فَحكى صاحبنا هَذَا أَن هَذَا الرَّجُل ادّعى هَذِهِ الْقِصَّة وَهَذَا الشّعْر لنَفسِهِ.
قَالَ: القَاضِي: فَأَما امْتنَاع دُخُول دَابَّة وخاصة وَمَا أشبههَا فِي الشّعْر لِئَلَّا يلتقي فِيهِ ساكنان، فَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا يجْتَمع فِي الشّعْر سَاكن ومُسَكَّن كَقَوْل امرىء الْقَيْس:
لَا وَأَبِيك ابْنة العامِرِيّلَا يَدعي القَومُ أَنِّي أفر
إِذا ركبُوا الْخَيل واستلأمواتحرقتِ الأرضُ واليومُ قر
وَقَول الْأَعْشَى:
إِذا أَنَا سَلَّمْتُ لَمْ يُرْجِعُواتحيَّتَهم وهُمْ غَيْر صُرّ
وَهَذَا كثير وتفسيرهذا لَهُ مَوضِع لَمْ نر إطالة كتَابنَا هَذَا بِذكرِهِ، وَقَدْ بَيناهُ فِي أولى الْمَوَاضِع، وَقَدْ جَاءَ فِي الشّعْر اجْتِمَاع الساكنين فِي مزاحف للمتقارب، وَذَلِكَ:
فَقَالُوا الْقصاص وَكَانَ القصاص حَقًا وعدلا عَلَى الْمُسْلِمِينا
وَقَدْ رُوِيَ وَكَانَ الْقصاص عَلَى الأَصْل وَالْوَجْه الجائِز الْمَعْرُوف، وَقَدْ كَانَ بَعضهم أَتَى فِي الشّعْر بالدواب وخفف الْبَاء فَلم يلتق ساكنان، وَبَعْضهمْ يكره التقاء الساكنين فِي منثور الْكَلَام ويهرب مِنْهُ إِلَى الْهَمْز، فِيمَا لَا أصل للهمز فِيهِ، وَقَدْ قَرَأَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ " وَلا الضأْلين " بِالْهَمْز، وَهَذِه قراءةٌ مُخَالفَة لقِرَاءَة سائِر الأئمَّة، وَلما نَقله من فِي نَقْلِه الحجَّة من الأئمَّة، وَكَذَلِكَ سَبِيل الْقِرَاءَة الَّتِي رويناها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع