تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الْخُلَفَاء يغارون من أَبْيَات جَيِّدَة قيلت فِي غَيرهم

حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمْزَة، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمد بْن مُوسَى بْن حَمْزَة، قَالَ: الْفضل بن يزِيغ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة قَدْ دخل عَلَى الْمهْدي بعد موت مَعْن بْن زَائِدَة فِي جماعةٍ من الشُّعَرَاء وَفِيهِمْ سَلْمُ الخَاسِرُ وغيرهُ، فأنشده مديحًا، فَقَالَ: من؟ قَالَ: شاعرُك مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أَلَسْت الْقَائِل:

أَقَمْنَا باليمامةِ بعد معنٍمُقَامًا لَا نُرِيدُ بِهِ زِيَالا
وَقُلْنَا أَيْنَ نرحلُ بعد معنٍوَقَدْ ذهب النوالُ فَلَا نَوَالا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «مضى لسبيله معن وأبقى»

قَدْ جِئْت تطلبُ نوالنا وَقَدْ ذهب النَّوال، لَا شَيْء لَك عندنَا، جُرُّوا بِرجلِهِ. قَالَ: فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل تلطَّف حَتَّى دخل مَعَ الشُّعَرَاء - وَإِنَّمَا كَانَت الشُّعَرَاء تدخل عَلَى الْخُلَفَاء فِي ذَلِكَ الْحِين فِي كُلّ عَام مرّة - قَالَ: فَمثل بَيْنَ يَدَيْهِ وأنشدهُ قصيدته الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:

طرقَتْكَ زائرةٌ فَحيِّ خيالَهابيضاءُ تخلطُ بِالْحَيَاءِ دلالَها
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طرقتك زائرة فحي خيالها»
قَادَتْ فؤادَكَ فاستقاد وقَبْلَهاقاد القلوبَ إِلَى الصِّبَا فأمالها

قَالَ: فأنصت لَهَا حَتَّى إِذا بلغ إِلَى قَوْله:

هَلْ تَطْمِسُون من السَّماء نجومَهابأكُفكم أَوْ تسترُون هِلالها
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أَوْ تدفعُون مقَالَة عَنْ ربكُمجِبْرِيل بَلَّغها النَّبِيّ فقالَها
شهِدَتْ من الْأَنْفَال آخر آيةٍبتُراثهم فأردتُمُ إبطالَها
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طرقتك زائرة فحي خيالها»

يَعْنِي بني عَليّ وَبني الْعَبَّاس، قَالَ: فرأيتُ الْمهْدي وَقَدْ زحف من صدر مُصَلاه حَتَّى صَار عَلَى الْبسَاط إعجابًا بِمَا سَمِع، ثُمّ قَالَ لَهُ: فَإِنَّهَا لأوّل مائَة ألف أُعْطِيها شَاعِر فِي خلَافَة بْني الْعَبَّاس.

قَالَ: فَلم تلبث الأيامُ أَن أفْضَت الْخلَافَة إِلَى هَارُون الرشيد، قَالَ: فرأيتُ مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة ماثلا مَعَ الشُّعَرَاء، بَيْنَ يَدي الرشيد وَقَدْ أنْشدهُ شعرًا، فَقَالَ لَهُ: مَنْ؟ قَالَ: شاعرك مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل الْبَيْتَيْنِ اللَّذين لَهُ فِي معن اللَّذين أنشدهما الْمهْدي: خُذُوا بِيَدِهِ فأخرجوه، فَإنَّهُ لَا شَيْء لَهُ عندنَا، فَأخْرج.

فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِكَ بيومين تَلَطَّف حَتَّى دخل عَلَيْه فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:

لَعَمْرُكَ لَا أنسى غَدَاة الْمُحَصَّبِإِشَارَة سلمى بالبنان المخضب
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لعمرك لا أنسى غداة المحصب»
وَقَدْ صَدَر الْحُجّاجُ إِلا أَقَلَّهُمْمَصادر شَتّى موكبًا بعد مَوْكب
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لعمرك لا أنسى غداة المحصب»

قَالَ: فأعجبتْه، قَالَ لَهُ: كم قصيدتك بَيْتا؟ قَالَ لَهُ: سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَيْتا، فَأمر لَهُ بِعَدَد أبياتها ألوفًا، فَكَانَ ذَلِكَ رَسْمُ مَرْوَان حَتَّى مَاتَ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الثَاني وَالأربَعُونْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.