تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

تَأْخِير كُلّ وتقديمها

قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذِهِ الْحِكَايَة: فِي لَيْلَة كُلّ جُمُعَة وَاللَّفْظ الْآتِي فِي هَذَا الْخَبَر صَحِيح يُؤَدِّي عَنْ هَذَا الْمَعْنى، وَقَدْ جَاءَ فِي بعض الْقُرْآن نحوُ هَذَا فِي مَوضِع من الْقُرْآن، وَهُوَ قَول اللَّه تَعَالَى " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كل قلبٍ متكبرٍ جَبَّار " فَقَرَأَ جُمْهُور الْقُرَّاء من أَهل الحَرَمَيْن وَالشَّام والْعِرَاقَيْن عَلَى كُلّ قلبٍ متكبرٍ، بِإِضَافَة كُلّ إِلَى قلبٍ، عَلَى أَن قَوْله متكبر جَبَّار، من صفة ذِي الْقلب، وَإِن كَانَ الْقلب نَفسه قَدْ يُوصف بِذَلِك، وَنَحْو هَذَا قَوْلهم: فلانٌ سليمُ الْقلب، وقلبُ فلانٍ سُلَيْم، فيُجْرِي الصّفة عَلَى اللَّفْظ تَارَة أَيّ عَلَى الْقلب إِذْ كَانَت السَّلامةُ والتكبرُّ والجبرية فِيهِ، وَتارَة عَلَى صَاحبه وَيجْعَل صفة لجمْلَتِه لاستحقاقه الْوَصْف لَهَا، وَإِن كَانَتْ حَالَة فِي قلبه، وَقَدْ قَرَأَ بعض الْقُرَّاء عَلَى كُلِّ قلبٍ متكبرٍ بتنوين الْقلب، وَجَعَل الصّفة لَهُ إِذْ كَانَتْ فِيهِ، وَمِمَّنْ قَرَأَ هَكَذَا أَبُو عَمْرو بْن الْعَلاء من الْبَصْرَة، وذُكِر أَنَّهَا من قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَلَى كُلّ قلب متكبر، بِإِضَافَة قلب إِلَى كُلّ على الْوَجْه الَّذِي قدمنَا ذكره، وَهَذِه الْقِرَاءَة شاهدةٌ للإضافة موافقةٌ فِي الْمَعْنى قِرَاءَة من أضَاف عَلَى الْوَجْه الآخر، وَحكى الفَرَّاء أَنَّهُ سَمِع بعض الْعَرَب يَقُولُ: رَجُل سَفَرُه يوْم كُلّ جُمُعَة، يُرِيد كُلّ يوْم جمعه، قَالَ: وَالْمعْنَى وَاحِد.

قَالَ القَاضِي: وَلَفظ قراءتنا عَلَى مَا فِي مَصَاحِفنَا عَلَى الْإِضَافَة أولى بإبانة الْمَعْنى وَطَرِيق التَّحْقِيق دون التَّجَوُّز، لِأَن قراءتنا أَتَتْ بِإِضَافَة كُلّ إِلَى قلب، واستوعبت قُلُوب المنكرين، وَجَرت عَلَى إِضَافَة جمع إِلَى مَا دَلِيل الْجمع ظَاهر فِي لَفظه، وَقِرَاءَة عَبْد اللَّه أضيف فِيهَا وَاحِد إِلَى جمَاعَة تجوزًا وعني بِهِ معْنى الْجمع وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول الشَّاعِر:

كلوا فِي نصف بَطْنِكُمُ تَعيشُوافَإِن زَمَاننا زمنٌ خميصُ

وَقَول الآخر:

كأَنَّه وجهُ تركيين قَدْ عُصِبَامستهدفٌ لِطِعان غير تذبيب

وَقَول ابْن عَبْدة:

بهَا جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُهافبيضٌ وأمّا جلدُها فَصَلِيبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وَقَول جرير:

الوَارِدِينَ وتيمٌ فِي ذُرَا سبأٍقَدْ عض أَعْنَاقهم جلدُ الجَوَامِيسِ

وقَالَ الآخر:

لَا تُنكِرُوا القَتْلَ وَقَدْ سُبِينَافِي حَلْقِكُمْ عظمٌ وَقَدْ شَجِينَا

عَلَى أَن وَجه قِرَاءَة عَبْد اللَّه فِي هَذَا الْمَعْنى أقوى مِمَّا فِي هَذِهِ الأبيات، لِأَن لكلّ لفظا يَقْتَضِي التَّوْحِيد، وَمعنى يَقْتَضِي الْجمع، وَقَدْ يُتَّجه فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه حملهَا عَلَى مَا لَا يتَغَيَّر الْمَعْنى بِهِ من التَّجَوُّز، الَّذِي يُسَميه النحويُّون الْقلب، وَقَدْ تَأَول عَلَيْه قومٌ من النَّحْوِيين كثيرا من آي الْقُرْآن وَمَا وَردت بِهِ الْأَخْبَار، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي بلغتين: أدخلتُ القَلَنْسُوَةَ رَأْسِي، وتَهَيَّبني الفلاة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

وَلا تَهَيَّبُنِي الموماةُ أرْكَبُهاإِذا تجاوبتِ الأصْدَاءُ بالسَّحَرِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ولا تهيبني الموماة أركبها»

وَهَذَا بَاب قَد استقصيناه فِي كتبنَا، وأمللْنا مِنْهُ قدرا وَاسِعًا عَلَى شرحٍ وتفصيل فِيمَا أمللناه من النثر وَالنّظم، وَمن شرح مُخْتَصر أَبِي عَمْرو الْجرْمِي فِي النَّحْو، وأتينا فِيهِ بِمَا لَا نعلم أحدا سبقنَا إِلَيْهِ، وَمن نظر فِيمَا هُنَالك تبين مِنْهُ مَا وَصفنَا إِن شَاءَ اللَّه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الخَمْسُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.