تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

خبر ابْن جَامع فِي مجْلِس الرشيد

حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن نعيم الْكَاتِب، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن ضوء التَّيْمِيّ قَالَ مسعت إِسْمَاعِيل بْن جَامع السَّهْمِي يَقُول: ضمني الدَّهْر ضمًا شَدِيدا بِمَكَّة، فانتقلت مِنْهَا بعيالي إِلَى الْمَدِينَة، فَأَصْبَحت يَوْمًا لَا أملك إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم، فَخرجت وَهِي فِي كمي، فَإِذا بجاريةٍ حميراء على رقبَتهَا جرة تُرِيدُ الركي، تمشي بَين يَدي وتترنم بصوتٍ شجيٍ تَقول فِيهِ:

شَكَوْنَا إِلَى أحبانبا طول ليلنافَقَالُوا لنا مَا أقصر اللَّيْل عندنَا
وَذَلِكَ أَن النّوم يغشى عيونهمسرَاعًا وَمَا يغشى لنا النّوم أعينا
إِذْ مَا دنا اللَّيْل المضر بِذِي الْهوىجزعنا وهم يستبشرون إِذا دنا
فَلَو أَنهم كَانُوا يلاقون مثل مَانلاقي لكانوا فِي الْمضَاجِع مثلنَا

فو الله مَا دَار لي مِنْهُ حرف وَاحِد فَقلت لَهَا: يَا جَارِيَة مَا أَدْرِي أوجهك أحسن أم صَوْتك أم جرمك، فَإِن شِئْت أعدتيه عَليّ، فَقَالَت: حبا وكرامة، ثُمَّ أسندت ظهرهَا إِلَى جدارٍ كَانَ بِالْقربِ مِنْهَا وَرفعت إِحْدَى رِجْلَيْهَا فَوَضَعتهَا على ركبتها وحطت الجرة فَوَضَعتهَا على سَاقهَا واندفتعت تغني بِأَحْسَن صَوت، فو الله مَا دَار لي مِنْهُ حرف وَاحِد، فَقلت لَهَا: لقد أَحْسَنت وتفضلت فَلَو شِئْت أعذتيه مرّة أُخْرَى، فقطبت وكلحت وَقَالَت: مَا أعجب هَذَا، أحدكُم يَجِيء إِلَى الْجَارِيَة عَلَيْهَا ضريبة فَيَقُول لَهَا: أعيدي مرّة بعد أخرىن فَضربت يَدي إِلَى الثَّلَاثَة الدَّرَاهِم فدفعتها إِلَيْهَا وَقلت لَهَا: أقيمي بِهَذَا وَجهك الْيَوْم إِلَى أَن نَلْتَقِي، فأخذتهاشبه المتكرهة ثُمّ قَالَت: الْآن تُرِيدُ أَن تَأْخُذ عني صَوتا أحسبك تَأْخُذ عَلَيْهِ ألف دينارٍ، وَألف دينارٍ وَألف دينارٍ، ثم انبعثت تغني وأعملت فكري فِي غنائها فدار لي الصَّوْت وفهمته، وانصرفت بِهِ مَسْرُورا إِلَى منزلي المكاري على بَاب المحول، فَدخلت لَا أَدْرِي أَيْن أتوجه وَلَا من أقصد، وانْتهى بِي النَّاس إِلَى الجسر، فعبرت فِي من عبر حَتَّى انْتَهوا بِي إِلَى شَارِع الميدان عِنْد دَار الْفضل بْن الرّبيع، فَرَأَيْت هُنَاكَ

مَسْجِدا مرتفعًا فَقلت: هَذَا مَسْجِد قوم سراةٍ، وَحَضَرت الْمغرب فَصَعدت الْمَسْجِد فَمَا لَبِثت أَن جَاءَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام وَصليت، وَانْصَرف النَّاس وأقمت مَكَاني إِلَى أَن رَجَعَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام، وَصليت وَانْصَرف النَّاس وأقمت مَكَاني إِلَى أَن رَجَعَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام، وَصليت مَعَ النَّاس على تعبٍ وجوع، وَانْصَرف النَّاس وَبَقِي رجل يُصَلِّي مَلِيًّا وَخَلفه جمَاعَة من الخدم والفحولة ينتظرونه، فَلَمَّا فرغ من صلَاته انْصَرف إِلَيّ بِبدنِهِ كُله فَقَالَ: أحسبك غَرِيبا، قلت: أجل، قَالَ: مَتى كنت بِهَذِهِ الْمَدِينَة؟ قلت: آنِفا دَخَلتهَا، وَلَيْسَ لي بهَا معرفَة، وَلَيْسَت صناعتي من الصَّنَائِع الَّتِي يمت بهَا إِلَى أهل الْخَيْر، قَالَ: وَمَا صناعتك؟ قلت: الْغناء، فَوَثَبَ مبادرًا ووكل بِي رجلا، فَقلت للْمُوكل بِي: من هَذَا؟ قَالَ: أوما تعرفه؟ هَذَا سَلام الأبرش قَالَ: وَإِذا رَسُول قد جَاءَ فِي طلبي ثُمَّ مشينا حَتَّى انْتهى بِي إِلَى قصرٍ من قُصُور الْخلَافَة وَجعل يُجَاوز بِي مَقْصُورَة بعد مقصورةٍ إِلَى أَن دَخَلنَا مَقْصُورَة فِي آخر الدهليز، فَدَعَا لي بِالطَّعَامِ، فَأتيت بمائدةٍ عَلَيْهَا من كل شَيْء، فَأَقْبَلت على أكلي حَتَّى تراجعت إِلَى نَفسِي، وَسمعت ركضًا فِي الدهليز، فَإِذا إِنْسَان يَقُول: أَيْن الرجل، أَيْن الرجل؟ فَقيل: هَا هُوَ ذَا، فَقَالَ يدعى لَهُ بغسول وَطيب وخلعةٍ، فغلفت وخلع عَليّ وَأخذ الرجل بيَدي فَحَمَلَنِي على دابةٍ وأتى بْن منزل الْخَلِيفَة فاستدللت على ذَلِك بالحرس وَالتَّكْبِير والنيران، فَمَا زَالَ يدخلني من دَار إِلَى دَار إِلَى أَن دخلت إِلَى دارٍ قوراء وَإِذا فِيهَا أسرة مُضَاف بَعْضهَا إِلَى بعض، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى الأسرة أَمرنِي بالصعود فَصَعدت، وَإِذا رجل جَالس على يَمِينه ثَلَاث جوارٍ فِي حجورهن العيدان، وَإِذا فِي حجر الرجل عود فَسلمت فَرَحَّبَ بِي وَأَمرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَست، وَإِذا مجَالِس خَالِيَة قد كَانَ فِيهَا قوم فَقَامُوا عَنْهَا، فَمَا لَبِثت أَن خرج خَادِم من وَرَاء السّتْر فَقَالَ للرجل: تغنه، فَانْدفع يُغني بصوتٍ لي يَقُول فِيهِ:

لم تمش ميلًا وَلم تركب على جملٍوَلم تَرَ الشَّمْس إِلَّا دونهَا الكلل
تمشي الهوينا كَأَن الشوك يحبسهامشي اليعافير فِي جيئاتها الوجل

فو الله مَا أحسن الْغناء، وَلَقَد غنى بِغَيْر إصابةٍ وأوتارٍ متنافرة ودساتين مختلفةٍ، ثمَّ عَاد ذَلِك الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تلِي الرجل فَقَالَ لَهَا: تغني فانبعثت تغني بِصَوْت لي كَانَت فِيهِ أحسن حَالا من الرجل تَقول فِيهِ:

يَا دَار أضحت خلاء لَا أنيس بهَاإِلَّا الظباء وَإِلَّا الناشط الْفَرد
أَيْن الَّذين إِذا مَا زرتهم جذلواوطار عَن قلبِي التشواق والكمد

ثمَّ عَاد الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الثَّانِي فَقَالَ لَهَا: تغني فانبعث تغني بِصَوْت حكم الْوَادي تَقول فِيهِ:

فو الله مَا أَدْرِي أيغلبني الْهوىإِذا جد وَشك الْبَين أم أَنا غالبه
فَإِن أستطع أغلب وَإِن يغلب الْهوىفَفِي دون مَا لاقيت يغلب صَاحبه

ثمَّ عَاد الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الثَّالِثَة فَقَالَ لَهَا: تغني فغنت بِصَوْت لحنين تَقول فِيهِ:

مَرَرْنَا على قيسيةٍ عامريةٍلَهَا بشر صافي الْأَدِيم هجان
فَقَالَت وَأَلْقَتْ جَانب السجف دونهَامن آيَة حَيّ أَو من الرّجلَانِ
فَقلت لَهَا أما تَمِيم فاسرتيهديت وَأما صَاحِبي فيماني
رفيقان ضم السّفر بيني وَبَينهوَقد يلتقي الشتى فيأتلفان

قَالَ فَعَاد الْخَادِم إِلَى الرجل فَقَالَ لَهُ: تغنه، فغنى بصوتٍ لي شبه فِيهِ، وَالشعر لعمر بن أبي ربيعَة الْغناء للغريض يَقُول فِيهِ:

أمس بأسماء هَذَا الْقلب معموداإِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا
كَأَن أحور من غزلان شيهمةٍأعارها شبها خديه والجيدا
قَامَت ترَاءى وَقد جد الرحيل بِنَالتنكأ الْقرح من قلبٍ قد اصطلدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمسى بأسماء هذا القلب معمودا»
بمشرق كشعاع الشَّمْس بهجتهومسبكر على لباتها سُودًا

ثمَّ عاج الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تليه فَقَالَ لَهَا: تغني، فغنت بصوتٍ لحكم الْوَادي يَقُول فِيهِ:

تعيرنا أَنا قيل عديدنافَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل
وَمَا ضرنا أَنا قَلِيل وجارناعَزِيز وجار الْأَكْثَرين ذليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
وَإِنَّا لقوم مَا نرى الْقَتْل سبةًإِذا كرهته عَامر وسلول
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
يقرب حب الْمَوْت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

وتغنت الْجَارِيَة الثَّانِيَة عِنْد قَول الْخَادِم لَهَا تغني:

وددتك لما كَانَ ودك خَالِصاوأعرضت لما صَار نهبًا مقسمًا
وَلنْ يلبث الْحَوْض الوثيق بناءهإذاكثر الوراد أَن يتهدما

وتغنت الثَّالِثَة بِشعر الخنساء بنت عَمْرو بْن الْحَارِث فِي أَخِيهَا صَخْر:

وَمَا كرّ إِلَّا كَانَ أول طَاعنوَلَا أبصرته الْعين إِلَّا اقشعرت
للشاعر الخنساء، من قصيدة «لهفي على صخر فإني أرى له»
فيدرك ثأرا ثُمَّ لم يخطه الْغنىفَمثل أخي يَوْمًا بِهِ الْعين قرت
للشاعر الخنساء، من قصيدة «لهفي على صخر فإني أرى له»
وَإِن طلبُوا وترا بدا بتراتهمويضربهم شزرا إِذا الْخَيل ولت
فلست أرزا بعده برزيةٍفأذكره إِلَّا سلت وتجلت
للشاعر الخنساء، من قصيدة «لهفي على صخر فإني أرى له»

وَكَانَ غناء الرجل فِي الدّور الثَّالِث:

لحا الله صعلوكا يبيت وهمهمن الدَّهْر أَن يلقى لبوسا ومطعما
ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا نَومه اسْتَوَىتنبه مسلوب الْفُؤَاد مورما
وَلَكِن صعلوكا يساور همهوَيَمْشي على الهيجاء ليثا مصمما
فَذَلِك إِن يلق الْمنية تلقهكَرِيمًا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا

وَكَانَ غناء الْجَارِيَة فِي الدّور الثَّالِث بِشعر لحاتم يَقُول فِيهِ:

إِذا كنت رَبًّا للقلوص فَلَا تدعرفيقك بمشي خلفهَا غير رَاكب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ومرقبة دون السماء علوته»
أنخها فأردفه فَإِن حملتكمافَذَاك وَإِن كَانَ الْعقَاب فعاقب
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ومرقبة دون السماء علوته»

وَكَانَ غناءالجارية الثَّانِيَة فِي الدّور بِشعر عَمْرو بْن معدي كرب:

ألم تَرَ لما ضمني الْبَلَد القفرسَمِعت نِدَاء يصدع الْقلب يَا عَمْرو
أغثنا فَإنَّا معشر مذحجيةنزار على وفرٍ وَلَيْسَ لنا وفر

وَكَانَ غناء الثَّالِثَة بشعرٍ لعمر بْن أَبِي ربيعَة والغناء فِيهِ للغريض:

فَلَمَّا تلاقينا وسلمت أشرقتوُجُوه زهاها الْحسن أَن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأيننيوقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
فَلَمَّا تواضعنا الْأَحَادِيث قُلْنَ ليأخفت علينا أَن نغر ونخدعا

قَالَ فَقلت فِي نَفسِي: أَي شَيْء أنْتَظر؟ يَجِيء الْخَادِم السَّاعَة يطالبني بِمثل مَا طَالب بِهِ أَصْحَابِي، فَقلت للرجل: بِأبي أَنْت خُذ الْعود إِلَيْك وَشد وتر كَذَا وارفع الطَّبَقَة وَغير وتر كَذَا وَحط دستان كَذَا، فَعلم مَا أُرِيد فوزنه، فَلم البث أَن خرج الْخَادِم فَقَالَ لي تغنه، عافاك الله، فانبعثت أُغني بِصَوْت الرجل الأول على غير مَا غنى بِهِ فَإِذا بنحوٍ من خمسين أَو سِتِّينَ خَادِمًا يحْضرُون حَتَّى استندوا إِلَى الأسرة ثُمَّ قَالُوا: وَيحك لمن هَذَا الْغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا عني بِتِلْكَ السرعة، فَخرج إِلَيّ الْخَادِم فَقَالَ: كذبت هَذَا الْغناء لِابْنِ جَامع، فَسكت، وَدَار الدّور فَلَمَّا انْتهى إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ تغنه، فَقلت لِلْجَارِيَةِ الَّتِي تلِي الرجل: خذي الْعود فانبعثت أُغني صَوتهَا، فَخرجت الْجَمَاعَة من الخدم فَقَالُوا: وَيحك لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، فَمَضَوْا وَرجع الْخَادِم فَقَالَ لي: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع. فَأَمْسَكت عَنْهُ وَدَار الدّور، فَلَمَّا بلغ إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ: تغنه، فَقلت فِي نَفسِي، وَقد شربت وقويت منتي: مَا أنْتَظر؟ فاندفعت أُغني بصوتٍ لَا يعرف إِلَّا بِي:

عوجي عَليّ فسلمي جبرفيمَ الْوُقُوف وَأَنْتُم سفر
مانلتقي إِلَّا ثَلَاث منىجتى يفرق بَيْننَا النَّفر

قَالَ: فتزلزلت وَالله عَلَيْهِم الدَّار، وَخرج الْخَادِم فَقَالَ: وَيحك، لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، قَالَ: فَرَجَعُوا فَقَالُوا: هَذَا لِابْنِ جَامع، فَقلت: أَنا إِسْمَاعِيل ابْن جَامع، قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا وأمير الْمُؤمنِينَ وجعفر بْن يحيى قد أَقبلَا من وَرَاء السّتْر، فَلَمَّا صعدا السرير وَثَبت على قدمي، فابتدأني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: ابْن جَامع؟ فَقلت: ابْن جَامع جعلني الله فدَاك يَا أَمِير

الْمُؤمنِينَ، قَالَ: وَيحك مَتى كنت فِي هَذِه الْمَدِينَة؟ قلت: آنِفا دَخَلتهَا فِي الْوَقْت الَّذِي علم بِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أَجْلِس وَيحك يَا ابْن جَامع، وَجلسَ أَمِير المؤمين وجعفر بْن يحيى فِي بعض تِلْكَ الْمجَالِس الفرغ وَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع، أبشر وأبسط أملك، فدعوت لَهُ دعواتٍ ثُمَّ قَالَ: عَن يَا ابْن جَامع، قَالَ: فخطر بقلبي صَوت الْجَارِيَة المدينية، فَقلت للرجل: أصلح عودك وارفع طبقته، قَالَ: فَعلم مَا أُرِيد فوزن الْعود وزنا، وتعهدته حَتَّى استقامت الأوتار وَأخذت الدساتين موَاضعهَا، وانبعثت أُغني بصوتٍ الْجَارِيَة الْحُمَيْرَاء، فَنظر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى جَعْفَر بْن يحيى فَقَالَ لَهُ: أسمعت كَذَا قطّ؟ قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت وَلَا خرق سَمْعِي مثله قطّ، وَلَا ظَنَنْت أَن الله ﷿ خلق على وَجه الأَرْض مثل مَا أسمع، قَالَ فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى خَادِم بِالْقربِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: كيس فِيهِ ألف دينارٍ قَالَ: فَمضى الْخَادِم فَلم يلبث أَن عَاد بكيسٍ فِيهِ ألف دينارٍ، فصيرته تَحت فَخذي ودعوت لأمير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع رد على أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الصَّوْت، فرددته وتزيدت فِي غنائي وأعانني على ذَلِك اسْتِوَاء الأوتار، قَالَ: فَنظر جَعْفَر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: يَا سَيِّدي أما تسمعه كَيفَ يتزايد فِي الْغناء؟ هَذَا خلاف الَّذِي سمعنَا أَولا، على أَن الْأَمر فِيهِ وَاحِد، قَالَ: فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، فَمضى الْخَادِم وَجَاء بكيس فِيهِ ألف دِينَار فَرمى بِهِ إِلَيّ فصيرته تَحت فَخذي، ثُمَّ قَالَ لي أَمِير الْمُؤمنِينَ: تغن مَا حضرك، فَأَقْبَلت أقصد إِلَى الصَّوْت بعد الصَّوْت مِمَّا كَانَ يبلغنِي أَنه يَشْتَرِي عَلَيْهِ الْجَوَارِي فأغنيه، فَلم أمزل أفعل ذَلِك إِلَى أَن عسعس اللَّيْل، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيل قد أتعبناك فِي هَذِه اللَّيْلَة لسروري بغنائك، فتعيد عَليّ الصَّوْت الَّذِي تَغَنَّيْت بِهِ أَولا يَعْنِي صَوت الْجَارِيَة فغنيته إِيَّاه، فَرفع رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، وَذكرت قَول الْجَارِيَة: إِنِّي أحسبك تَأْخُذ عَلَيْهِ ألف دِينَار وَألف دِينَار وَألف دينارٍ، فَكَانَ مني شبه التبسم، ولحظني من بَين الشمع فَقَالَ لي: مِم تبسمت؟ قَالَ: فجثوت على ركبتي ثُمَّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الصدْق منجاة، فَقَالَ لي بانتهار: قل، فَحَدَّثته حَدِيث الْجَارِيَة فَقَالَ: صدقت قد يكون هَذَا وأعجب مِنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ لي: انْصَرف مودعًا، فَقُمْت لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن انفذ ذَلِك الْوَقْت، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن نزلت من الأسرة حَتَّى وثب إِلَيّ غفيران من الفراشين، فَأخذ أَحدهمَا بيَدي المينى وَالْآخر باليسرى ومضيا بِي لَا أَدْرِي أَيْن يتوجهان بِي، حَتَّى وَقفا بِي على بَاب دَاري هَذِه، فَإِذا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر سَلاما فَابْتَاعَ لي هَذِه الدَّار وحول أَهلهَا، وحشيت بالفرش والوصائف والوصفاء وَالطَّعَام وَالشرَاب، وَدفع إِلَيّ أَحدهمَا إضبارة مَفَاتِيح وَقَالَ لي: ادخل بَارك الله لَك فِيهَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت كَذَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت مَالك، وَهَذَا مِفْتَاح سُبْرَة الْجَوَارِي، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت فرشك وآنتيك، وأوقفني على مَا أردْت، فَأَصْبَحت وَأَنا من مياسير أهل بَغْدَاد، ودخلتها وَأَنا أفقر أَهلهَا، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.