من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
تَعْلِيق للْقَاضِي وتفسيرات
قَالَ القَاضِي: لعمري إِن هَذِه الأبيات لمن رصين الشّعْر وبليغه، وَكلمَة الْقطَامِي الَّتِي هَذِه الأبيات مِنْهَا من أَجود شعره، وأولها:
إِنَّا محيوك فَاسْلَمْ أَيهَا الطللوَإِن بليت وَإِن طَالَتْ بك الطول
ويروى الطيل.
وَقد ذكر بَعضهم أَن أَجود مَا أَتَى من أشعار الْعَرَب على هَذِه الْعرُوض وَهَذَا الروي هَذِه الْكَلِمَة وَكلمَة الْأَعْشَى الَّتِي أَولهَا:
ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحلوَهل تطِيق وداعا أَيهَا الرجل
وَقَول الأخطل: إِنَّه لمغدف القناع المغدف: المغطى فَكَأَنَّهُ نسبه إِلَى الخمول وقصوره عَن الشّرف وَأَن يكون بارزًا مبدياً صفحته مجداً وافتخاراً، كَمَا قَالَ سحيم بْن وثيل الريَاحي:
أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايامَتى أَضَع العماخمة تعرفوني
وَيُقَال أعدفت الْمَرْأَة قناعها كَمَا قَالَ عنترة:
إِن تغدفي دوني القناع فإننيطب بِأخذ الْفَارِس المستئم
وَأما قَول الْقطَامِي: يَمْشين رهوا فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُنَّ يَمْشين فِي سكونٍ وتؤدة، وَقد قيل فِي قَول الله تَعَالَى: " وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا " الدُّخان: أَي سَاكِنا وَقيل طَرِيقا يبسًا. وَحكى أَن بعض الْعَرَب قَالَ فِي فالج من الْإِبِل: رهو بَين سنَامَيْنِ. وَقَالَ بعض أهل الْمعرفَة: لَو كَانَ الْقطَامِي قَالَ هَذَا الْبَيْت فِي صفة النِّسَاء لَكَانَ قد أحسن. وَمن الزهو قَول الشَّاعِر:
كَأَنَّمَا أهل حجرٍ ينظرُونَ مَتىيرونني خَارِجا طير بباديد
طير رَأَتْ بازيًا نضح الدِّمَاء بِهِوَأمه خرجت رهوا إِلَى عيد
وَقل عَمْرو بْن كُلْثُوم:
نصبنا مثل رهوة ذَات حدٍمُحَافظَة وَكُنَّا السابقينا
ويروى: نصبنا مثل رهوة وادحر.
قيل هِيَ الْخَيل، وَقَوله: وَالرِّيح ساكرة يَعْنِي سَاكِنة، وَإِذا كَانَت سَاكِنة فَهِيَ فعل الْأَشْيَاء المفقودة المعدومة، يُقَال سكر الشَّيْء إِذا سكن، وَقيل للسكر الَّذِي هُوَ منسكر الأودية والأنهار سكر، لِأَنَّهُ سكن إِذا انسد وعدمت سورته، وَمِنْه السكر من الشَّرَاب وَغَيره، قيل فِيهِ ذَلِك لاحتباس مَا كَانَ مُنْطَلقًا من السَّكْرَان وَصِحَّة رَأْيه وصواب مَنْطِقه، وَقيل سكر الْحر إِذا سكنت فورته وهدأ احتدامه وشدته، كَمَا قَالَ الراجز:
جَاءَ الشتَاء واجثأل الْقَبْر
واستخفت الأفعى وَكَانَت تظهر
وَجعلت عين الحرور تسكر
وَقد قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين " لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا " الْحجر: بِمَعْنى سدت وصعب النّظر بإسكانها عَن الْحَرَكَة الَّتِي تدْرك المبصرات بهَا. وَقَرَأَ جُمْهُور القرأة سكرت بِالتَّشْدِيدِ للتكرار إِذْ كَانَت الْأَبْصَار جمَاعَة، وَقَرَأَ بَعضهم سكرت بِالتَّخْفِيفِ لدلَالَة هَذِه الْقِرَاءَة على الْمَعْنى، وَمثله فتحت أَبْوَابهَا وَفتحت فِي نَظَائِر لهَذَا كَثِيرَة، وَهِي مشروحة فِيمَا تضمنته الْكتب فِي عُلُوم الْقُرْآن من كلامنا وَكَلَام من تقدمنا، وبالتخفيف قَرَأَ ابْن كثير فِي من وَافقه من المكيين. وَقَوله:
إِن تصبحي من أَبِي عُثْمَان منجحةفقد يهون على المستنجح الْعَمَل
من الْكَلَام الْحسن فِي الإنباء عَن أَن من أنجح سَعْيه وَأدْركَ مَا أمه هان عَلَيْهِ مَا كَانَ أنصبه وعناه وأتعبه فِي قصد مَطْلُوبه، وَمثله قَول سَابق الْبَرْبَرِي:
إِذا مَا نَالَ ذُو طلبٍ نجاحًابأمرٍ لم يجد ألم الطلاب
ونظائر هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة يتعب إحصاؤها ويمل استقصاؤها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع