من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
حَنْظَلَة الغسيل
وأمّا ذكره فِي الْخَبَر الغسيل فَإِن الغسيل حَنْظَلَة بن أبي عَامِر، وَاسم أبي عامرٍ عبد عَمْرو، وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتشْهد مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْم أُحد، فَأخْبر أَصْحَابه أَنَّهُ رأى الْمَلَائِكَة تُغسله، فَأرْسل إِلَى امْرَأَته فَسَأَلَهَا عَن أمره فَأَخْبَرته أَنَّهُ كَانَ مضاجعها فَلَمَّا اسْتنْفرَ للْجِهَاد مَعَ رَسُول الله ﷺ قَامَ عَن بَطنهَا مبادرًا وَلم يغْتَسل، فَقَالَ: إِنِّي رأيتُ الْمَلَائِكَة تغسله. وَكَانَ أَبُو حنيفَة يرى أَن شهيدَ المعركة إِذا قتل جُنبًا فواجبٌ على الْمُسلمين غسله، ويحتج بِقصَّة حَنْظَلَة هَذِه، وَكَانَ أَصْحَابه وَغَيرهم مِمَّن يذهب إِلَى أَن لَا يغسل الشَّهِيد يرونَ أَن الْجنب وَغَيره سَوَاء فِي ترك الْغسْل، وَإِلَى هَذَا نَذْهَب والاحتجاج فِيهِ مرسومٌ فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي الْفِقْه. وَأَبُو عَامِر أَبُو حَنْظَلَة كَانَ يُقال لَهُ الراهب، فسمّاهُ النَّبيّ ﷺ الْفَاسِق، وَكَانَ مِمَّن سعى فِي بِنَاء مَسْجِد الضرار الَّذِي ذكره الله ﷿ فِي كِتَابه، وَالله تَعَالَى يَقُول: " والّذين اتّخذو مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُسلمين وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وليحلفنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى واللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ التَّوْبَة: ".
رِوَايَة أُخْرَى فِي خبر الْأَحْوَص وزين الغدير قَالَ القَاضِي: وَقد كَانَ ابْن الْأَنْبَارِي أمْلى علينا خبر الْأَحْوَص وزين الغدير بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد وعَلى مخالفةٍ فِي مَوَاضِع من الْمَتْن، فَإِن كنت قد رسمته فِيمَا مضى من هَذِه الْمجَالِس فَفِي هَذِه الرِّوَايَة زيادةٌ لَيست فِيهِ، وَإِن كَانَ فِيمَا مضى فَاتَنِي فإنني آتِي بِما أحفظه من جملَته ليحصل بِما أثْبته مِنْهُ مَا فِيهِ من زِيَادَة من غير إطالة بِذكر إِسْنَاده وأعيان أَلْفَاظه، وَهُوَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي وصفت أمرهَا أَن يزِيد بن الْوَلِيد كتب إِلَى الضحّاك بن مُحَمَّد عَامله على الْمَدِينَة أَن وجِّه إليَّ الْأَحْوَص بن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ الشَّاعِر ومعبدًا الْمُغنِي، فجهزهما وَأَمرهمَا بِالْمَسِيرِ، فَكَانَا ينزلان فِي طريقهما للْأَكْل وَالشرب إِلَى أَن أَتَيَا البلقاء، وَهُوَ منزل بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، فَجَلَسَا هُنَالك فأكلا، وجلسا على نَهرها. فَإِذا هما بِجَارِيَة قد خرجت من قصرٍ هُنَالك وَمَعَهَا جرٌّ، فاستقت فِيهِ من الغدير، ثُمَّ إنَّها أَلْقَت الجرّ فانكسر فَجَلَست تبْكي، فَسَأَلَاهَا عَن شأنِها وَلمن كَانَت، فَقَالَت: لرجلٍ بِمكة من قُرَيْش، فاشتراني صَاحب هَذَا
الْقصر، وَهُوَ رجلٌ من بني عَامِر من آل الوحيد، بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، فَنزلت من قلبه ألطفَ منزلَة، ثمَّ إِنَّه تزوج ابْنة عمٍ لَهُم فَهُديت إِلَيْهِ، فَكَانَت تسيءُ إليّ وتكلفني أَن أستقي فِي كلِّ يومٍ من هَذَا الغدير بجرّ، فشكوتُ ذَلِكَ إِلَى الرجل فَقَالَ: إنَّما أنتِ أمةٌ وَهَذِه ابْنة عمي، فربّما ذكرت مَا كنتُ فِيهِ فَيسْقط الْجَرّ من يَدي فينكسرُ فتضربني على هَذَا، ولَمّا رأيتكما وَمَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ ذكرتُ مَا مضى من أيّامي فَسقط الْجَرّ من يَدي، ثُمَّ أخذت الْعود وغنّت:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزَّلحذر العدى وَبِه الْفُؤَاد موكّلإنّي لأمنحك الصّدود وإنّنيقسماً إليكَ مَعَ الصّدود لأميلُ
وَلَقَد نزلتَ من الفؤادِ بمنزلٍمَا كَانَ غَيْرك والأمانةِ ينزلُ
وَلَقَد شكوتُ إليكَ بعض صبابتيولَمَّا شكوتُ من الصبابة أطول
هَلْ عيشنا بكَ فِي زَمَانك راجعٌفَلَقَد تفحَّش بعْدك المتعلّلُ
أعرضتُ عنكَ وَلَيْسَ ذاكَ لبغضةٍأخْشَى مقالةَ كاشحٍ لَا يعقل
فَقُلْنَا لَهَا: لِمن هَذَا الشّعْر؟ قَالَت: للأحوص بن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ، قُلْنَا: فَلَمَّا الْغناء؟ قَالَت: لِمعبد المغنّي. فَقَالَ الْأَحْوَص: فَأَنا وَالله الْأَحْوَص، وَقَالَ معبد: وَأَنا وَالله معبد، فأنشأت تَقُولُ:
إِن تَرَوْني الغداةَ أسعى بجرٍّأستقي الماءَ نَحْو هَذَا الغدير
فَلَقَد كنتُ فِي رخاءٍ من العَيْشِ وَفِي ظلِّ نعمةٍ وسرورِ
ثُمَّ قد تبصران مَا فِيهِ أَصبَحت وماذا إِلَيْهِ صَار مصيري
أبلغا عَنِّي الإِمَام وَمَا بلغصِدْقَ الحديثِ مثلُ الْخَبِير
أنّني أضْرب الْخَلَائق بالعود وأحكاهمُ لبمٍّ وَزِير
فلعلَّ الْإِلَه ينقذُ ممَّاأَنا فِيهِ فإننّي كالأسير
لَيْتَني متُّ يَوْم فارقتُ أَهلِيوبلادي وزرتُ أهل الْقُبُور
فَقَالَ الْأَحْوَص وَالله لَا أبرحُ حَتَّى أَقُول فِيهَا شعرًا، فَقَالَ:
إنَّ زينَ الغدير من كسر الْجَرّرَّ وغنى غنّاء فحلٍ مجيدِ
قلتُ من أَنْت يَا ظعينَ فَقَالَتكنتُ فِيمَا مضى لآل الوليدِ
ثمَّ بدِّلت بعد حيِّ قريشٍفِي بني عَامِر لآلِ الوحيد
فغنائي لمعبدٍ ونشيديلِفتى النَّاس الأحوصِ الصنديد
فتبسّمتُ ثُمَّ قلتُ أَنا الأحوص والشيخُ معبدٌ فأعيدي
فأعادتْ فأحسنتْ ثُمَّ ولَّتتتهادى فقلتُ أمّ سعيد
يعجز المَال عَن شراكِ ولكنْأَنْت فِي ذمَّة الهمامِ يزِيد
إنْ نذكِّر بك الإِمَام بصوتٍمعبدٍّ يزيلُ حَبْلَ الوريد
يفعل الله مَا يَشَاء فظنِّيكلَّ خيرٍ منّا هناكَ وزيدي
ثُمَّ ودّعاها وانصرفا، فلمَّا دخلا على يزِيد قَالَ للأحوص: أَنْشدني أقربَ شعر قلته فأنشده:
إنَّ زينَ الغدير من كسر الجرَّ وغنَّى غنّاء فحلٍ مجيدِ
وَقَالَ لِمعبد: غنّني أقرب غناءٍ غنيته، فغناه إِن زينَ الغدير منْ كسر الجرّ، فَقَالَ: لقد اجتمعتما على أمرٍ، فقصَّا عَلَيْهِ القصَّة، فَكتب إِلَى عَامله على البلقاء: ابتعْ هَذِه الْجَارِيَة بِما بلغت، فابتاعها بِمائة ألف دِرْهَم وأهداها إِلَى يزِيد فحظيت عِنْده، وحلَّت ألطفَ محلٍّ من قلبه. قَالَ: فوَاللَّه مَا انصرفنا حَتَّى صَار إِلَيْنَا من الْجَارِيَة مالٌ وخلعٌ وألطافٌ كَثِيرَة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع