تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

عَاصِم حميّ الدَّبر

كَانَ أَبُو سُلَيْمَان عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح شهد بَدْرًا وأحدًا، وَثَبت حِين ولَّى النَّاس يَوْم أحد عَن رسل اللَّهِ ﷺ مَعَه، وَبَايَعَهُ على الْمَوْت، وَكَانَ من الرُّمَاة الْمَذْكُورين من أَصْحَاب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَذكر أَنَّهُ قتل يَوْم أحد من أَصْحَاب اللِّوَاء من الْمُشْركين الْحَارِث وشافعًا ابْني طَلْحَة بن أبي طَلْحَة، وأمُّهما سلافة بنت سعيد بن الشَّهِيد من بني عَمْرو بن عَوْف، فنذرت أَن تشرب فِي رَأس عاصمٍ الْخمر، وَجعلت لِمن جَاءَ بِرَأْسِهِ مائَة ناقةٍ، فَقدم ناسٌ من بني لحيان من هُذَيْل على رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فسألوهُ أَن يوجِّه إِلَيْهِم من يفقّههم فِي الدَّين، فبعثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَهم ستَّة نفر أحدهم عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح.

فَلَمَّا صَارُوا على الرَّجيع استصرخوا عَلَيْهِم هذيلا، فَلم يشعروا وهم فِي رحالِهم إِلَّا وبارقة السيوف قد غشيتهم. فَقَاتلهُمْ مرْثَد بن أبي وخَالِد بن البكير وَعَاصِم بن ثَابت حَتَّى قتلوا، وأمّا الْآخرُونَ فاستأسروا وَحَال بَين الَّذِينَ قتلوا وَبَين رَأس عَاصِم أَن يأخذوهُ الدّبرُ، فتركوهُ وَقَالُوا: حَتَّى نمسي فنأخذه، فَبعث الله السَّيل إِلَى الْوَادي فاحتملَ عَاصِمًا فَذهب بِهِ.

قَالَ القَاضِي: والدَّبر النّحل كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤيب الْهُذلِيّ.

إِذا لَسَعَتْهُ الدَّبر لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَاوخالفها فِي بيتِ نوبٍ عواملِ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

ويُرْوَى: عواسل. النوب: السود من النّوبَة واللوبة والأوبة، ويروى إِذا لسعته النَّحْل. وَقيل: إِن النوب الَّذِينَ ينوبونَ وَلَيْسَ من اللّون. وَقَوله: " لَمْ يرجُ لسعها " معناهُ لَمْ يَخَفْ. وَقيل: فِي قَول الله تَعَالَى: " مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للَّه وَقَارًا نوح: " إنّ معناهُ لَا تَخافونَ لله عَظمَة. وَمن ذَلِكَ قَول الراجز:

مَا ترتجي حِين تُلاقي الزائداأَسَبْعَةً لاقت مَعًا أَو وَاحِدًا

وَقَول الشَّاعِر:

لعمرك مَا أَرْجُو إِذا كنت مُسلماعلى أيِّ جنبٍ كَانَ فِي الله مصرعي

يَعْنِي: مَا أَخَاف، وَقيل فِي قَول الله ﷿: " وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَالا يَرْجُونَ "

" النِّسَاء: " إِن معناهُ وتَخافونَ من الله مَالا يخَافُونَ، وممَّن قَالَ هَذَا قطرب.

قَالَ القَاضِي: كأنَّما اختزل الرَّجَاء بَين الأمل وَالْخَوْف لأنَّهما مِمَّا ينْتَظر ويُرْتَجى ويُتوقّع، وَلَيْسَ المخلوقون مِنْهُ على أمرٍ يثقون بِهِ ويرقبونه ويقطعون عَلَيْهِ بِعَيْنِه. وأنكرَ الفرّاء مَا ذكره قطرب فِي هَذَا الْموضع وَقَالَ: الْعَرَب تذهبُ بالرجاء مَذْهَب الْخَوْف فِي الْإِثْبَات، وإنَّما تفعل هَذَا فِي الْجحْد وَالنَّفْي. والأحوص بن مُحَمَّد الشَّاعِر من ولد عَاصِم بن ثَابت هَذَا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس السَّابع وَالثَّمَانُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.