تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

النَّابِغَة الْجَعْدِي

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو حاتِم قَالَ، قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي أَبُو ليلى، واسْمه قيس بن عبد الله بن عُدس، وَقَالَ القحذمي: اسْمه حبَّان بن قيس بن عبد الله بن وَحْوَح بن عُدَس بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامِر بن صعصعة، وَكَانَ أسنَّ من النَّابِغَة الذبياني، وَالدَّلِيل على ذَلِكَ قَوْله:

تذكرت والذكرى تهيجُ على الْهوىوَمن حَاجَة المحزونِ أَن يتذكّرا
نداماي عِنْد الْمُنْذر بن محرِّقٍأرى الْيَوْم مِنْهُم ظَاهر الأَرْض مقفرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
كهولٌ وفتيانٌ كأنّ وُجُوههمدنانيرُ مِمّا شِيفَ فِي أَرض قيصرا

قَالَ: فَهَذَا يدلُّكَ على أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُنْذر بن محرق، والنابغة كَانَ مَعَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن محرق، وَكَانَ النَّابِغَة غبر ثَلَاثِينَ سنة لَا يتَكَلَّم، ثُمَّ تكلّم بالشعر، وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة بأصبهان، وَكَانَ ديوانه بِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَقُول:

فَمن يَك سَائِلًا عنّي فإنّيمن الشبّان أيّام الْخُنَانِ

وأيّام الخنان كَانَت أَيَّامًا فِي الْعَرَب قديمَة لداءٍ هاج فيهم:

مَضَت مائةٌ لعامَ ولدتُ فِيهِوعشرٌ بعد ذاكَ وحجّتانِ
فأبقى الدَّهْرُ والأيامُ منّيكَمَا أبقى من السيفِ الْيَمَانِيّ
تحسّر وَهُوَ مأثور جرازٌإِذا جمعت لقائمه اليدانِ

وَقَالَ أَيْضا فِي طول عمره:

لبستُ أُناسًا فأفنيتهموأفنيتُ بعد أناسٍ أُنَاسًا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»
ثلاثةَ أهلينِ أهلكتهموَكَانَ الإلهُ هُوَ المستآسا

قَالَ أَبُو حاتِم، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَكَانَ النَّابِغَة مِمّن فكَّر فِي الْجَاهِلِيَّة فأنكرَ الْخمر وَالسكر وَمَا يفعلُ بِالْعقلِ، وتجنَّب الأزلامَ والأوثان، وَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا:

الحمدُ لله لَا شريك لَهُمَنْ لَمْ يقلها فنفسهُ ظَلَما
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «الحمد لله لا شريك له»

وَكَانَ يذكر دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل صلَّى الله عَلَيْهِمَا، ويصومُ ويستغفرُ ويتوقى أَشْيَاء لعواقبها، ووفد عَلَى النَّبيّ ﷺ وَقَالَ فِي ذَلِك:

لأتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدىوَيَتْلُو كتابا كالمجرَّة نيّرا
وجاهدتُ حَتَّى مَا أحسَّ وَمن معيسُهَيْلا إِذا مَا لَاحَ ثُمَّ تغوّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

يَقُول: كنتُ بِالشَّام وسهيلٌ لَا يكادُ يُرى هُنَاكَ.

يقومُ على التَّقْوَى ويوصي بِفِعْلِهَاوَكَانَ من النّارِ المخوفةِ أوجرا

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ الأَشْدَقِ الْعَقِيلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّابِغَةَ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:

بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَاوَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

فَقَالَ: أَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى؟ قُلْتُ: الْجَنَّةُ، قَالَ: أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ قَوْلِي:

وَلا خَيْرَ فِي حلمٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُبَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يكدَّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
وَلا خَيْرَ فِي جهلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُحليمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرَا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَا يُفْضَضُ فُوكَ ". فَمَاتَ وَلَهُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ لَمْ يغيَّر لَهُ سِنٌّ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلسُ التسْعُون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.