من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
الشُّعَرَاء يستأذنونَ على عقيلة بنت عقيل بن أبي طَالب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن صَالِح قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه ابْن النطاح قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدة عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن صالِح بن كيسَان، قَالَ: كَانَت عقيلة بنت عقيل بن أبي طَالب تجلسُ للرِّجَال، فاستأذنَ عَلَيْهَا جميلٌ فَأَذنت لَهُ، فَلَمَّا دخلَ قيل لَهَا: هَذَا كثيرٌ بِالْبَابِ، فَقَالَت: أدخلوه، فَمَا لبث أَن قيل لَهَا: هَذَا الأحوصُ بِالْبَابِ، فَقَالَت: أدخلوه. فَأَقْبَلت على جَميل وَقَالَت: ألسْتَ الْقَائِل:
فَلَو تركتْ عَقْلِي معي مَا طلبتُهاوَلَكِن طِلابيها لما فَاتَ من عَقْلِي
أما تطلبها إِلَّا لذهابِ عقلك؟! أما وَالله لَوْلَا أبياتٌ قلتَها مَا أَذِنْتُ لَك، وَهِي:
علقتُ الْهوى مِنْهَا وليدًا فَلم يزلْإِلَى الْيَوْم ينمي حبُّها ويزيدُ
فَلَا أَنا مرجوعٌ بِما جئتُ طَالباوَلَا حبُّها فِيمَا يبيدُ يبيدُ
يَموتُ الْهوى منّي إِذا مَا لقيتهاويحيا إِذا فارقتها فيعودُ
ثُمَّ أَقبلت على كثّير فَقَالَت: وأمّا أَنْت يَا كَثِير فأقلُّ النَّاس وَفَاء فِي قَوْلك:
أريدُ لأنسى ذِكْرَها فكأنَّماتمَّثل لي ليلى بكلِّ سبيلِ
أما تريدُ أَن تذكرها حَتَّى تمثَّل لَك؟! أما وَالله لَوْلَا أبياتٌ قلتَها مَا أَذِنْتُ لَك، وَهِي:
عجبت لسعي الدّهرِ بيني وَبَينهَافلمّا انْقَضى مَا بَيْننَا سَكَنَ الدّهْرُ
فيا حبَّ ليلى قد بلغتَ بيَ المدىوزدت عل مَا لَيْسَ يبلُغُه الهجرُ
قَالَ القَاضِي: الْمَشْهُور من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أنّهما من كلمة لأبي صَخْر الْهُذلِيّ منسوبة إِلَيْهِ أوّلها:
لليلى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرفتُهاوَأُخْرَى بذاتِ الْبَين آياتها سَطْرُ
وَقد أملَّها علينا عَن أَحْمَد بن يَحْيَى عَن عبد الله بن شبيب معزوَّةً إِلَى أبي صَخْر، مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي وَمُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي.
ثُمَّ أَقبلت على الْأَحْوَص وَقَالَت: وأمّا أَنْت يَا أحوص فألأم الْعَرَب فِي قَوْلك:
من عاشقين تراسلا وتواعدالَيْلًا إِذا نجم الثّريّا حلَّقا
باتا بأنعم عيشةٍ وألذهاحَتَّى إِذا وضح النهارُ تفرّقا
لِمَ قلت: تفرّقا؟! أما وَالله لَوْلَا شيءٌ قلتهُ مَا أَذِنْتُ لَك، وَهُوَ:
كم من دنيّ لَهَا قد صِرْتُ أتبعُهُوَلَو صَحا القلبُ عَنْهَا كَانَ لي تبعا
قَالَ: ثُمَّ قَالَت لكثير: يَا فَاسق أَخْبِرْنِي عَن قَوْلك:
أإن زمَّ أجمالٌ وَفَارق جيرةٌوصاحَ غرابُ البينِ أنتَ حزينُ
أينَ الْحزن إلاّ عِنْدهَا؟ فَقَالَ كَثِير؟ أعزّك الله، قد قلت شَيْئا أذهَبَ هَذَا العيبَ عنّي، وَهُوَ:
وأزمعْنَ بَينا عَاجلا وتركننيبصحرا خريمٍ قَاعِدا أتبلَّد
وَبَين التراقي واللهاةِ حرارةٌمَكَان الشجا لَا تطمئنُّ فتبرد
وَقد كَانَت قَالَت لجواريها: مزِّقن ثِيَابه عَلَيْهِ، فلمَّا أنشدَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَت: خلِّين عَنْهُ يَا خبائث، وأمرتْ لَهُ بحلَّةٍ يمانيةٍ وبِمائة دِينَار فَأَخذهُمَا وَانْصَرف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع