من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شُرُوح لغوية
قَالَ القَاضِي: قَوْله: " أوديا معناهُ هلكا، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَلم يُودِ مَنْ كنتَ تسْعَى لَهُكَمَا قيلَ فِي الحربِ أَوْدَى درم
وَمعنى " ونخرما " مثله، فَهُوَ الْهَلَاك وانقطاعُ الْأَجَل وتصرم الْعُمر، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ:
سبقوا هويَّ وَأعنقوا لسبيلهمفتخرِّموا ولكلِّ جنب مصرعُ
ويروي: فقدتهم. وَقَالَ: " هزيّ " وَهِي فِيمَا قيل لُغَة هديل يَجْعلونَها بِمنزلة عليَّ وإليَّ، وَذكر أَنَّهَا لُغَة بعض بني سُلَيْم، وَقد قَرَأت القرأة بِهاتين اللغتين فِي الْقُرْآن. فأمَّا جُمْهُور القرأة فيقرأون بلغَة أهل الْحجاز وَعَامة الْعَرَب، وَقد رويت الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَن أبي طفيل عَامِر بن وَاثِلَة وَعبد الله بن إِسْحَاق الحضرميّ وَعَاصِم الجحدري وَعِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ، وَرفع عضهم مَا رُوِيَ عَن أبي الطُّفَيْل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَمن هَذِه اللُّغَة قَول الشَّاعِر:
فأَبْلُوني بليَّتكم لعليّأصالحكم واستدرج نَوَيّا
يريدُ: نواي.
وَقَالَ آخر:
يطوِّف بِي عكبٌّ فِي معدٍّويطعنُ بالصُّملَّة فِي قفيَّا
فإنْ لَمْ تثأرا لي من معدٍّفَلَا أرويتما أبدا صديَّا
أَرَادَ: قفاي وصداي. وَذكر أَن طَلْحَة قَالَ وَقد ذكر لَهُ بيعَته أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي
طَالب ﵇: بايعتُ واللجُّ على قفيَّ. اللج: السَّيْف، وَقيل إِن طَلْحَة تزوج امْرَأَة هندية فتكلَّم بلغتهَا. وَقد اخْتلف البصريون والكوفيون من النُّحَاة فِي عِلّة الْفرق بَين عليَّ وإليَّ ولديَّ وَبَين هواي وقفاي وعصاي، وَبَيَان هَذَا واستقصاء مَا فِيهِ مرسوم فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي الْقُرْآن. وَقَول اليزيدي " وَمَا لَهما فِي العالِمين نديد ": النديد " الندّ وَمِنْه قَول لبيد.
أحمدُ الله فَلَا ندَّ لَهُبيدَيْهِ الخيرُ مَا شَاءَ فَعَلْ
والندّ والنديد فِيهِ لُغَات: ندّ ونديد ونديدة. فَمن الند والنديد قَول جرير يهجو عمر بن بن لَجأ:
أتيتم تجعلونَ إليَّ ندًّاوَمَا تيمٌ بِذِي حسبٍ نديدِ
وأمّا النديدة فَإِن الْهَاء ألحقت فِيهِ للْمُبَالَغَة، كقوللهم فِي الْمَدْح راوية وعلامة ونسابة، وَفِي الذَّم هلباجة وفَرُوقة وَمَلولة. وَزعم الْفراء أَن الهاءَ أُدْخِلَت فِي هَذَا يُرَاد بِهَا أَن الممدوح بِمنزلة الداهية والمذموم بِمنزلة الْبَهِيمَة. وَمن النديدة قَول الشَّاعِر:
لِئَلَّا يكون السندريُّ نديدتيوأتركَ أعماماً عُمُوما عماما
ويَجمع الند أندادًا، قَالَ الله ﷿ " فَلا تَجْعَلُوا للَّه أنداد الْبَقَرَة: " وَمِنْه قَول الْأَعْشَى ":
فَقَالَ تزيدونني تِسْعَةوَلَيْسَ بكفؤٍ لأندادِها
وَزعم بعضُ أهل اللُّغَة أَنَّهُ يُقال للضد ندّ أَيْضا وَأَنه من حُرُوف الأضداد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع