تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

وُفُود أم سِنَان المذحجية على مُعَاوِيَة

حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بن مُحَمَّد سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا

الْعَبَّاس بْن بكار قَالَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: حَبَسَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ غُلامًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ فِي جِنَايَةٍ جَنَاهَا بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَتْهُ جَدَّةُ الْغُلامِ أمُّ أَبِيهِ، وَهِيَ أُمُّ سِنَانٍ بِنْتُ خَيْثَمَةَ بْنِ خَرَشَةَ الْمَذْحِجِيَّةُ، فَكَلَّمَتْهُ فِي الْغُلامِ فَأَغْلَظَ لَهَا وَزَبَرَهَا. فَخَرَجَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَلَمَّا جَلَسَتْ قَالَ: يَا بِنْتَ خَيْثَمَةَ، مَا أَقْدَمَكِ أَرْضِي وَقَدْ عَهِدْتُكِ تَشْنَأِينَ قُرْبِي، وَتَحُضِّينَ عَلَيَّ عَدُوِّي. قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْلاقًا طَاهِرَةً وَأَعْلامًا ظَاهِرَةً، لَا يَجْهَلُونَ بَعْدَ عِلْمٍ، وَلا يَسْفَهُونَ بَعْدَ حِلْمٍ، وَلا يَتَعَقَّبُونَ بَعْدَ عَفْوٍ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاتِّبَاعِ سُنَنِ آبَائِهِ لأَنْتَ. قَالَ: صَدَقْتِ، نَحْنُ كَذَلِكِ، فَكَيْفَ قَوْلُكِ:

عَزَبَ الرُّقَادُ فَمُقْلَتِي لَا تَرْقُدُوَاللَّيْلُ يَصْدَرُ بِالْهُمُومِ وَيُورِدُ
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة
يَا آلَ مَذْحِجَ لَا مقَام فشمراإِنَّ الْعَدُوَّ لآلِ أَحْمَدَ يَقْصِدُ
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة
هَذَا عليٌّ كَالْهِلالِ تَحُفُّهُوَسْطَ السَّمَاءِ مِنَ الْكَوَاكِبِ أَسْعُدُ
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة
خَيْرُ الْخَلائِقِ وَابْنُ عمِّ محمّدٍوَكَفَى بِذَلِكَ والعدوُّ يُهَدِّدُ
مَا زَالَ مُذْ عَرَفَ الْحُرُوبَ مظفَّراًوَالنَّصْرُ فَوْقَ لِوَائِهِ مَا يُفْقَدُ

قَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّا لنمطع بِكَ خَلَفًا. قَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ الْقَائِلَةُ:

إِمَّا هَلَكْتَ أَبَا الْحُسَيْنِ فَلَمْ تَزَلْبالحقِّ تُعْرَفُ هادياً مهديّا
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة
فَاذْهَبْ عَلَيْك السَّلَام ربِّك مَا دَعَتْفَوْقَ الْغُصُونِ حمامةٌ قُمْرِيَّا
قَدْ كُنْتَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ خَلَفًا لَنَاأَوْصَى إِلَيْكَ بِنَا فَكُنْتَ وَفِيَّا
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة
فَالْيَوْمَ لَا خلفٌ نُؤَمِّلُ بَعْدَهُهَيْهَاتَ نَمْدَحُ بَعْدَهُ إِنْسِيَّا
للشاعر أم سنان بنت خيثمة، اقرأ القصيدة

قَالَتْ: يَا أَمِيرَ، لسانٌ نَطَقَ، وقولٌ صَدَقَ، وَلَئِنْ تَحَقَّقَ فِيكَ مَا ظَنَنَّا فَحَظُّكَ أَوْفَرُ، وَاللَّهِ مَا أَوْرَثَكَ الشَّنَاءَةَ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ إِلا هَؤُلاءِ، فَادْحَضْ مَقَالَتَهُمْ، وَأَبْعِدْ مَنْزِلَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ازْدَدْتَ بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ قُرْبًا، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ حُبًّا. قَالَ: إِنَّكِ لَتَقُولِينَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ مُدِحَ بِبَاطِلٍ، وَلا اعْتُذِرَ إِلَيْهِ بِكَذِبٍ، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِنَا وَضَمِيرِ قُلُوبِنَا.

كَانَ وَاللَّهِ عَلِيٌّ أحبَّ إِلَيْنَا مِنْكَ إِذْ كَانَ حَيًّا، وَأَنْتَ أحبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِكَ إِذْ أَنْتَ بَاقٍ. قَالَ: فَمن شَكْوَاكِ؟ قَالَتْ: مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ. قَالَ: وَبِمَ اسْتَحْقَقْتِ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا؟ قَالَتْ: بِحُسْنِ حِلْمِكَ، وَكَرَمِ عَفْوِكَ. قَالَ: وَإِنَّهُمَا لَيَطْمَعَانِ فِي ذَلِكَ؟ قَالَتْ: هُمَا وَاللَّهِ لَكَ مِنَ الرَّأْيِ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ لِعُثْمَانَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَارَبْتِ فَمَا حَاجَتُكِ؟

قَالَتْ: إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ تَبَنَّكَ بِالْمَدِينَةِ تبنُّك مَنْ لَا يُرِيدُ الْبَرَاحَ مِنْهَا، لَا يَحْكُمُ بِعَدْلٍ، وَلا يَقْضِي بِسُنَّةٍ، يَتَتَبَّعُ عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، حَبَسَ ابْنِي فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَلْقَمْتُهُ أَخْشَنَ مِنَ الْحَجَرِ، وَأَلْعَقْتُهُ أمرَّ مِنَ الصَّابِ. " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الصَّابُ الْحُضَضُ ".

قَالَ الْقَاضِي: الْحُظَظُ بِالظَّاءِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ. قَالَ أَبُو ذويب الْهُذَلِيُّ:

نَامَ الْخَلِيُّ وَبِتُّ اللَّيْلَ مُشْتَجِرًاكَأَنَّ عَيْنَيْكَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»

مَذْبُوحٌ مَشْقُوقٌ، وَالذَّبْحُ الشَّقُّ، قَالَ الشَّاعِرُ:

كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا والفكِّفَأْرَةَ مسكٍ ذُبِحَتْ فِي سكِّ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْمِائَة وبهِ تَمامُ المجالِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.