تجاوز إلى المحتوى

من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

لحسن استعارتها وبراعة تشبيهاتها

فلانٌ مسترضعٌ ثدي المجد، ومفترشٌ حجر الفضل. له مجدٌ يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب. صدر تضيق عنه الدهناء، ويفزع إليه الدهماء. له في كل مكرمةٍ غرة الأوضاح، ومن كل فضيلةٍ قادمة الجناح. له صورةٌ تستنطق الأفواه بالتسبيح. له غرةٌ يترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم. يحيي القلوب بلقائه قبل أن يميت الفقر بعطائه. له خلقٌ لو مزج البحر به لنفى ملوحته، وصفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العيش، ومادة الفضل. آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب. له همةٌ تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة. هو راجحٌ في موازين العقل، وسابقٌ في ميادين الفضل. يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. هو بيت القصيد، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، وفص الخاتم، ونقش الفص.

هو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. هو غرة الزمان، وناظر الإيمان، وتاج الأوان. أخلاقٌ خلقن من الفضل، وشيمٌ تشام فيها بوارق المجد. أرخ الرجال بفضله، وعقم النساء بمثله. الجميل منه معتادٌ، والفضل لديه مبدأٌ ومعادٌ. ما له للعفاة مباحٌ، وفعاله في ظلمة الدهر مصباحٌ. كأن قلبه عينٌ، وكأن جسمه سمعٌ. يرى بأول رأيه أواخر الأمور. جوهرةٌ من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوتةٌ من يواقيت الأحراز، لا من يواقيت الأحجار.

النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الرابع في سائر الفنون والأغراض

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.