من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب الحادي والثمانون الموت وما يتصل به من ذكر القبر والنعش والتعزية، والمرثية، والنعي، وغير ذلك
ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: إذا مات لأحدكم الميت فحسنوا كفنه، وعجلوا إنجاز وصيته، وأعمقوا له في قبره، وجنبوه جار السوء. قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك في الآخرة.
قال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلّي فيها.
في وصيته ﵇ لأبي ذر: زر القبور تذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل، واغسل الموتى يتحرك قلبك، فإن الجسد الخاوي عظة بليغة، وصلّ على الجنائز لعلّ ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله.
أبو الدرداء: ما من مؤمن إلّا والموت خير له، وما من كافر إلّا والموت خير له. فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمْ
كان عمر ﵁: إذا سوى على القبر سوى عليه فقال:
اللهمّ، أسلمه إليك الأهل والولد والمال والعشيرة، وذنبه عظيم فاغفر له.
محمد بن سعد المدني: مرّ رسول الله ﷺ بمقبرة، فنادى: يا أهل القبور، ألا أخبركم بما حدث بعدكم، تزوج نساؤكم، وبيعت مساكنكم، وأقتسمت أموالكم، فهل أنتم مخبرون بما عاينتم؟ ثم قال:
ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى.
كتب على قبر عبد الله بن جعفر:
مقيم إلى أن يبعث الله خلقهلقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلةوتنسى كما تبلى وأنت حبيب
كانت تعزية رسول الله ﷺ آجركم الله ورحمكم.
خرج علي ﵇ في ليلة يوم الجمل، ومعه شعلة من نار، يتصفح وجوه القتلى، فعثر على طلحة، فقال: أعزز عليّ أبا محمد أن أراك معفرا تحت نجوم السماء في بطون الأودية! شفيت نفسي، وقتلت معشري، إلى الله أشكو عجري وبجري.
نظر الحسن إلى رجل يجود بنفسه، فقال: إنّ امرأ هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله، وأنّ امرأ أوله لجدير أن يخاف آخره.
نظر فيلسوف إلى ميت ينقل، فقال: حبيب ينقله أحباؤه إلى حبس الأبد.
عزى رجل رجلا فقال: جعل الله مصيبتك تاريخ ما تخشى ومفتاح ما تحب.
معاوية لعمرو بن عتبة: رحم الله أباك، والله لقد لصقت المصيبة بي، وإن كانت قد أخطأتني لقد أصابتني.
عمران بن حطان:
يا حمز كيف يذوق الخفض معترفبالموت والموت فيما بعده جلل
عبد الله الفقير إليه:
حطمتني الخمسون والخمس حطماخطمتني إلى المنية خطما
قد ظماني خوف المنيّة لكنخوف ما يعقب المنية أظما
عبدة بن الطبيب وكان حبشيا من لصوص الرباب، ولما أسنّ جمع بنيه وأنشدهم قصيدته التي منها:
وقد علمت بأن قصري حفرةغبراء يحملني إليها مرجع
فبكى بناتي شجوهن وزوجتيوالأقربون إليّ ثم تصدّعوا
أبنّت الخنساء أخاها، فقالت: لقد كان كريم الجدين،
واضح الخدين، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.
جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك.
عزّى رجل فتى عن أبيه فلم يجده كما أحب، فقال: يا بني سوء الخلف أضر علينا من فقد السلف.
مصيبة استطارت لبي واستطالت على قلبي.
دخل عمرو بن العاص على معاوية في مرضه، فقال: أعائدا جئت أم شامتا؟ فقال عمرو: لم تقول هذا؟ فو الله ما كلفتني رهقا، ولا أصعدتني زلفا، ولا جرّعتني علقا، فلم استثقل حياتك؟ ولم استبطىء وفاتك فقال معاوية:
فهل من خالد إما هلكناوهل بالموت يا للناس عار
دخل ابن الجصاص على أبي إسحاق الزجاج بعد وفاة أمه ضاحكا وهو يقول: الحمد لله يا أبا إسحاق قد والله سرني، فدهش الناس، فقال: بلغني أنه هو الذي، فلما صح أنها هي التي سرني، فضحكوا.
اعتلت امرأة ابن مضاء الرازي، فقالت: ويلك، كيف تعمل إن مت؟ فقال: ويلي، كيف أعمل إن لم تموتي؟.
أبو مروان: كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها فهي المصيبة العظمى.
عزى محمد بن الوليد بن عتبة عمر بن عبد العزيز بابنه
عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين لو أن امرأ تركت تعزيته لعلمه وتيقظه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.
وبئت خيبر فخرج إليها أعرابي بعياله وقال:
قلت لحمى خيبر استعديهاك عيالي فاجهدي وجدي
وباكري بصالب ووردأعانك الله على ذا الجند
فحم ومات، وبقي عياله.
عزى رجل الرشيد، فقال: آجرك الله على الباقي، ومتعك بالفاني. فقال: ويحك ما تقول؟ وظن أنه غلط، فتلا: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
أبو ذؤيب:
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمتنبيشة والطراق يكذب قيلها
ولو أن استودعته الشمس لا رتقتإليه المنايا عينها أو دليلها
قيل لأعرابي: إنك تموت، قال: وإلى أين يذهب بي؟
قالوا: إلى الله، قال ما أكره أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلّا منه.
قيل للكميت: لم لم ترث أخاك؟ فقال: إن مرثيته لا ترد مرزيته.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمرو بن عبيد يعزيه عن أبيه: أما بعد فإنّا أناس من أهل الآخرة أسكنا في الدنيا، أموات آباء أموات أبناء أموات فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت.
صالح المري: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية بعاجل المصاب.
قال ﵊: ما تعدّون الرقوب فيكم؟ قالوا:
الذي لا يبقى له ولد. قال: بل الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا.
عزى أبو العيناء رجلا فقال: كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك.
قيل لرجل: ما ورثت أختك من زوجها؟ قال: أربعة أشهر وعشرا.
استنشد عمر ﵁ متمما مرثية أخيه، فأنشده عينيته، فقال: لو كنت أحسن مثل ما تقول لبكيت أخي، فقال: لو صرع أخي مصرع أخيك لما بكيته، فقال: ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به.
عبد الرّحمن الأعين القرشي يرثي امرأته:
لعمرك أني يوم زيل بنعشهاونفسي معي لم ألقها لصبور
أعشى همدان:
فما تزود مما كان يملكهإلّا حنوطا غداة البين في خرق
وغير نفحة أعواد تشب لهوقل ذلك من زاد لمنطلق
عزّى موسى بن المهدي سليمان بن أبي جعفر عن ابن له فقال:
أيسرك وهو بلية وفتنة ويحزنك وهو صلاة ورحمة؟.
وقال آخر: كان لك من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
في الحديث المرفوع: من يرد الله به خيرا يصب منه.
عزى شبيب بن شيبة يهوديا: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل ملتك.
الأصمعي: هلك ابن لأعرابية، فتبعت جنازته وهي تقول:
رحمك الله يا هيثم، ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك، وأنت لكما قال:
رحيب ذراع بالتي لا تشينهوإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
فقلنا: يا أمّ الهيثم فهل لك منه عوض! قالت: نعم، ثواب الله، ونعم العوض الآخرة من الدنيا.
المنصور: اللهمّ إن كنت تعلم أني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة مني عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة
أن لا إله إلّا الله منّا منك، لا منّا عليك.
سأل الشعبي رجلا عن سبب موت أخ له، فقال: عضت فأرة إصبعه فمات، فقال: أشهد أنه لا يرد على الموتى شهيد أنذل من أخيك.
كان أبو بكر ﵁ يتمثل كثيرا:
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
والمرء قد يرجو الرجاء مغيبا والموت دونه
قيل للحسن: فلان في النزع، قال: وما معنى النزع؟ قالوا:
التقرب إلى لموت. قال: هو في ذلك منذ خلق.
وقيل له في عام وقعت فيه الميلة: أما ترى يا أبا سعيد؟ ما أحسن ما فعل ربنا! أقلع عاص، وأعطى ممسك، ولم يغلط بأحد.
نعي الحسن إلى أبي حازم فقال: يرحمك الله أبا سعيد. كنت كالعافية لا يعرف قدرها إلّا بعد فراقها.
عمر بن عبد العزيز: ألا ترون أنكم من الدنيا في أسلاب الهالكين، وسيسلبها بعدكم الباقون، حتى يرث ذلك خير الوارثين.
بكى الخولاني عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لطول السفر وقلّة الزاد، وقد سلكت عقبة فما أدري إلى أين يهبط بي، وإلى أي المكانين أسقط.
مات ابن لمسلم بن يسار، فقال: شغلني يا بني الحزن لك عن الحزن عليك.
مات عبد الله بن مطرف فخرج مطرف في ثياب حسنة وقد
أدهن، فأنكروا عليه، فقال: أفأستكين لها؟ وقد وعدني عليها ربي ثلاثا، إحداها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
الحسن: دفنا صالحا لنا فمددنا على القبر ثوبا، فجاء صلة بن أشيم العدوي فرفع الثوب ونادى: يا فلان.
إن تنج منها تنج من ذي عظيمةوإلا فإني لا أخالك ناجيا
أبو عبيدة الخواص قال عند قبر: حتى متى تشيع غاديا أو رائحا إلى ربه؟ تجعله في لحد وتحثى عليه التراب، أم والله لتكوننّه عن قريب.
ابن المعتزض؛ الموت باب الآخرة.
كان الربيع بن خثيم يخرج إلى القبور بالليل، فيقول: يا أهل القبور كنتم وكنا.
مالك بن مغول: بلغني أن أول سرور يدخل على المؤمن الموت، لما يرى من كرامة الله.
فضيل: ما الموت فيما بعده إلّا كركضة عنز.
قيل لإبراهيم: كيف وجدت الموت؟ قال: كأن النفس تنزع بالسلا، قبل: قد رفقنا بك يا إبراهيم.
دخل ملك الموت على داود ﵇، قال: من أنت؟
قال: من لا يهاب الملوك، ولا تمنع منه القصور، ولا يقبل الرشى.
قال: فإذن أنت ملك الموت، ولم استعد بعد، قال: يا داود، أين فلان جارك؟ أين فلان قرينك؟ قال: مات. قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد؟.
كتب أحمد بن يوسف الكاتب إلى عمرو بن سعيد بن مسلم يرثي ببغاء ماتت له:
عجبا للمنون كيف أتتهاوتخطت عبد الحميد أخاكا
شملتنا المصيبتان جميعافقدنا هذه ورؤية ذاكا
لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي ﵁، سجد معاوية وسجد من حوله شكرا. فدخل عليه ابن عباس فقال له: يا ابن عباس أمات أبو محمد؟ قال: نعم، وبلغني سجودك، والله يا ابن آكلة الكبود لا يسدن حسدك إياه حفرتك، ولا يزيد إنقضاء أجله في عمرك.
عائشة ﵂: لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه، فقبل ما بين عينيه، وبكى طويلا. فلما رفع على السرير قال: طوباك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها.
بينما حسان جالس وفي حجره صبي له يطعمه الزبد والعسل إذ شرق الصبي بهما، فمات، فقال:
اعمل وأنت صحيح مطلق مرحما دمت يا مغرور في مهل
يرجو الحياة صحيح ربما كمنتله المنية بين الزبد والعسل
في الحديث المرفوع: مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، فإذا انفلت منها وقع في الهرم إلى أن يموت.
عزى رجل سليمان بن عبد الملك فقال: إن رأيت أن تعجل ما أخرته العجزة فتريح نفسك وترضى ربك فافعل.
قيل لأعرابي: ما سبب موت أبيك؟ قال: كونه.
دخل على المأمون في مرض موته، فإذا هو قد فرش له جل الدابة، وبسط عليه الرماد، وهو يتمرغ عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه.
قال عمرو بن العاص عند احتضاره لابنه: من يأخذ هذا المال بما فيه؟ قال: من جدع الله أنفه، فقال: احملوه إلى بيت مال المسلمين. ثم دعا بالغل والقيد، فلبسهما ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن التوبة مبسوطة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه، ثم استقبل القبلة فقال: اللهمّ إنك أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فارتكبنا، هذا مقام العائذ بك فأهل العفو أنت، وإن تعاقب فبما قدمت يداي، سبحانك لا إله إلّا أنت إني كنت من الظالمين. فمات وهو مغلول مقيد. فبلغ الحسن بن علي فقال: استسلم الشيخ حين أيقن بالموت، ولعلها تنفعه.
وقال المنصور حين احتضر: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.
وقال المعتصم، وجعلوا يهونون عليه: هان على النظارة ما يمر بظهر المجلود.
عائشة ﵂: لا أغبط بهون الموت أحدا بعد الذي رأيت من رسول الله ﷺ.
مطرف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيما لا موت فيه.
أبو حازم: انظر العمل الذي يسرك أن يأتيك الموت وأنت عليه فخذه الساعة.
ندب رسطاليس الإسكندر فقال: كان أمس يعظنا بكلامه، وهو اليوم يعظنا بسكوته.
في الحديث المرفوع: لو أن الطير والبهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا.
في مرثية أعشى باهلة للمنتشر بن وهب الباهلي، وهي التي قال الأصمعي ليس في الدنيا مثلها:
فإن جزعنا فمثل الخطب أجزعناوإن صبرنا فإنّا معشر صبر
أما سلكت سبيلا أنت سالكهافاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈:
يا حسرتا من مصيبة عظمتأبناء عوف ومالك هلكوا
خلوا فجاجا علي فانخرقتلم يستطع سدهن من تركوا
في الحديث المرفوع: لا يتمنّ أحدكم الموت إلّا من وثق بعمله.
- وعنه ﵊ أنه كان إذا تبع الجنازة أكثر الصمات، وروي عليه كآبة، وأكثر حديث النفس.
قيل لإبراهيم بن أدهم: ألا تتبع الجنازة؟ قال: لا أجد صاحبا، إنما صاحبي من يأخذ بعضدي ويقول انتبه فانظر إلى رأس أخيك كيف يبقى على السرير.
حاتم الأصم: اتباع الجنائز فضيلة، والصلاة عليها سنة، ومداواة القلب بها فريضة.
سمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة: من هذا؟ قال: أنت، وإن كرهت فأنا.
سمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره، فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره.
مكحول كان إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنّا رائحون.
وكان مالك بن دينار يقول: سبحان الذي لا يموت.
ثوبان رفعه: من شيع جنازة فأخذ بجوانب السرير الأربعة غفر له أربعون ذنبا كلها كبيرة.
ابن شوذب: الطلعت امرأة في لحد، فقالت لامرأة معها: ما هذا؟ فقالت: كندوج العمل، تعني خزانة العمل، فكانت تعطيها الشيء وتقول: اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل.
ابن عباس: أرحم ما يكون الرب لعبده إذا أدخل قبره، وتفرق عنه أهله.
عمرو بن ميمون: افتتحنا مدينة بفارس، فدللنا على مغارة فيها بيت، فيه سرير من ذهب، عليه رجل، عند رأسه لوح مكتوب فيه: أنا بهرام بن بهرام ملك فارس كنت أعتاهم بطشا، وأقساهم قلبا، وأطولهم أملا، وأحرصهم على الدنيا، فدوخت البلاد، وقتلت الملوك، وهزمت الجيوش، وأذللت المقاول، وجمعت من الدنيا ما لم يجمعه أحد قبلي، ولم استطع أن أفتدي به من الموت إذ نزل بي.
قال أبو بلال: كل ميتة ظنون إلّا ميتة البلجاء. قيل: وما ميتة
البلجاء؟ قال: أخذها زياد فقطع يديها ورجليها، فيقل لها: كيف ترين يا بلجاء؟ قالت: قد شغلني هول المطلع عن برد حديدكم هذا. وهي من نساء الخوارج.
الأصمعي: أول من نعى المنصور بالبصرة خلف الأحمر. كنا في حلقة يونس فجاء خلف فسلم وقال: قد طرقت ببكرها أم طبق. فقال يونس: وماذا يا أبا محرز؟ فقال: فنتجوها خبرا ضخم العنق، فقال: لم أدر بعد، فقال: موت الإمام فلقة من الفلق. فارتفعت الضجة بالاسترجاع.
ابن الرومي:
يا حر صدري على ثلاثة أمواهـ أريقت في الترب والمدر
ماء شباب ونعمة مزجابماء ذاك الحياء والخفر
عزى أبو بكر عمر ﵄ عن ولد فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك. يعني: عوضه الله منك ما هو خير منك وهو جوار الله، فعوضك منه ما هو خير منه وهو ثواب الله.
سكرات الموت به محدقة، وعيون الأمل به محدقة.
لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيها.
يحيى بن خالد: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة.
مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير عزة في وقت واحد، وصلّى عليهما عمارة بن خزيمة بن ثابت. ودفنا في مكان واحد. فقال:
اللهمّ كما جمعت بينهما في زيارة القبور فلا تفرق بينهما يوم النشور.
فما بقي في المدينة أحد إلّا استحسن كلامه.
لما احتضر إبراهيم ﵇ قال: هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ قال:
فاقبض روحي الساعة.
نصر بن سيار: كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر، إلّا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر.
ابن المعتز: إذا كثر الناعي إليك كثر الناعي بك.
وقال نادب الإسكندر: مالك لا تقل عضوا من أعضائك؟
وكنت تستقل بملك العباد والبلاد.
وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس.
وقف علي ﵇ على منبر رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إن الجزع لقبيح إلّا عليك، وأن الصبر لجميل إلّا عنك، وإن المصيبة بك لأجل، وإما بعدك وما قبلك جلل.
ثم قال:
ما غاص دمعي عند نازلةإلا جعلت للبكا سببا
فإذا ذكرتك سامحتك بهمني الجفون ففاض وانسكبا
إني أجل ثرى حللت بهمن أن أرى بسواه مكتئبا
ورويت لمعقل بن عيسى العجلي أخو أبي دلف في جارية توفيت له.
مطر بن عكاش رفعه: إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة، وأنشد:
إذا ما حمام المرء كان ببلدةدعته إليها حاجة فيطير
عزى شبيب بن شيبة المهدي عن أمته فقال: والله، الله خير لها منك، ولثواب الله خير لك منها، وإن أحق ما صبر عليه ما لم يستطع دفعه.
وعزى آخر عن ولده فقال: وهبه الله لك فحملت مؤنه وتكاليفه فهنيت به، وقبضه فرفع عنك مؤنه وتكاليفه فعزيت عنه، ولو عمل على الحق لعزيت عما هنيت به، وهنيت بما عزيت عنه.
نعيت إلى ابن عباس بنت له في طريق مكة، فنزل عن دابته فصلّى ركعتين، ثم رفع يديه وقال: عورة سترها الله، ومؤونة كفاها الله، وأجر ساقه الله. ثم ركب ومضى.
ماتت لبعض ملوك كندة بنت، فوضع بدرة»
بين يديه وقال:
من أبلغ في التعزية فهي له. فدخل أعرابي فقال: عظم الله أجر الملك، كفيت المؤونة، وسترت العورة، ونعم الختن القبر. فقال: أبلغت وأوجزت. وأعطاه البدرة.
توفيت أم قاضي بلخ، فقال له حاتم الأصم: إن كانت وفاتها
عظة لك فعظم الله أجرك على موت أمك، وإن لم تتعظ بها فعظم الله أجرك على موت قلبك.
وقال: له: أيها القاضي، منذ كم تحكم بين عباد الله؟ قال: منذ ثلاثين سنة، قال: هل رد الله عليك حكما؟ قال: لا، قال: فإن الله لم يرد أحكامك في ثلاثين سنة وترد حكما واحدا حكمه عليك.
رأى الحجاج في منامه أن عينيه قلعتا، فطلق هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة. فلم ينشب أن جاءه نعي محمد أخيه يوم مات إبنه محمد. فقال: والله هذا تأويل رؤياي من قبل، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. محمد ومحمد في يوم واحد! ثم أنشأ يقول:
حسبي حياة الله من كل ميتوحسبي بقاء الله من كل هالك
وقال الفرزدق:
إن الرزية لا رزية مثلهافقدان مثل محمد ومحمد
مر الاسكندر بمدينة ملكها سبعة وبادوا، فسأل: هل بقي من نسلهم أحد؟ فقالوا: بقي واحد هو في المقابر، فدعا به وقال: لم تلزم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال له: هل لك أن تتبعني حتى أبلغ بك بغيتك؟ قال: بغيتي حياة لا موت معها، فهل تقدر عليها؟ قال: لا، قال: فدعني أطلبها ممن يقدر عليها.
أبو عارم الكلابي:
أجازعة ردينة أن أتاهانعييّ أم يكون لها اصطبار
إذا ما أهل قبري ودّعونيوراحوا والأكف بها غبار
وغودر أعظمي في لحد قبرتراوحه الجنائب والقطار
تهب الريح فوق محطّ قبريويرعى حوله اللهق النوار
مقيما لا يكلمني صديقبقفر لا أزور ولا أزار
فذاك النأي لا الهجران حولاوحولا ثم تجتمع الديار
للإنسان عند الإشراف على الموت حركة من حدوث قوة، نحو ما يعرض للسراج عند انطفائه من حركة سريعة، وضياء ساطع، وتسميها الأطباء النعشة الأخيرة.
ولعبد الله الفقير إليه:
قولا لشيخ هز من عطفهأن نعشته دولة زاهرة
لا تغترر فالمرء يرمى بهفي النعش بعد النعشة الآخرة
جزع الرشيد على حظية ماتت له، فقال مضحك له: ما هذا الجزع الشديد؟ قال: أما ترى ما ابتليت به؟ ما أحب أحدا إلّا مات. قال: فاحببني حتى أموت، قال: أن الحب ليس بشيء يصنع، وتسوقه الأسباب، قال: قل أنا أحبك، فقال: فحم ومات.
قال الحجاج حين أرجف الناس بموته عند موت المحمدين: قالوا مات محمد بن الحجاج، ومحمد بن يوسف، والحجاج ميت. فمات الحجاج فمه! والله ما رضي الله البقاء إلّا لأهون خلقه عليه إبليس، فانظره إلى يوم يبعثون. والأسوة برسول الله والتابعين من أولياء الله أحب إلي من الأسوة بإبليس.
وقف رجل من ولد أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب على قبر الحسن بن علي ﵄ فقال: أما أن أقدامكم قد نقلت
وأعناقكم قد حملت إلى هذا القبر وليا من أولياء الله، ليسر نبي الله بمقدمه، وتفتح أبواب السماء لروحه، وتبتهج الحور العين بلقائه، وبشر به سيدات نساء الجنة من إمهاته، ويوحش أهل الحي والدين فقده. رحمة لله عليه، وعند الله تحتسب المصيبة.
عزى رجل عمر بن عبد العزيز فقال:
تعزّ أمير المؤمنين فإنهلما قد ترى يغذي الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدملكل على حوض المنية مورد
فقال: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك.
جرير بن عبد الله البجلي ﵁: أصبت بمصيبة فما وقع بقلبي شيء مما عزيت به، حتى دخل عليّ مجوسي فقال: انظر ما كنت تعزي به الناس فعزّ به نفسك واحتسب.
عزى حبيب بن درواس جعفر بن سليمان عن أخيه محمد فقال: انظر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك، واذكر قول الله تعالى لنبيه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
، وخذ بقول ابن أراكة الطائي:
تفكّر فإن كان البكا ردّ هالكاعلى أحد فاجهد بكاء على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أجنهعلي وعباس وآل أبي بكر
عزت أعرابية قوما فقالت: جافى الله عن ميتكم الثرى، وأعانه على طول البلى، وآجركم ورحمه.
أعرابي: إن المؤمن بعرض خبر تستبشر به السماء، وترحب به الأرض، ولن يساء إليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.
الثوري: ينبغي لمن كان له عقل إذا أتى عليه عمر النبي ﷺ أن يهيأ كفنه.
أخبر الحسن بموت الحجاج فقال: اللهمّ إنه عقيرك وأنت قتلته، فاقطع سنته وأعماله الخبيثة. ودعا عليه.
أم سلمة: قال لنا رسول الله ﷺ: إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون. فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: قولي اللهمّ اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبا حسنا. فقلت ذلك، فأعقبني الله منه من هو خير منه رسول الله.
عقبة بن عامر: لأن أطأ على جمرة حتى تبرد، أو على حد سيف حتى تنقطع قدمي أحب إليّ من أن أمشي على قبر رجل مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي أو في السوق بين ظهراني الناس.
في الحديث المرفوع: كسر عظم المؤمن بعد مماته ككسره في حياته.
زيد بن أسلم: لقد كانت تمضي في الزمن الأول أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة.
مات ابن للرضا فقال أبو العيناء: يا ابن رسول الله، أنت تجل عن عظتنا، وقدرك تقصر عنه صفتنا، وفي علمك بكتاب الله ما كفاك، وفي رسول الله ما عزاك، وفي ثواب الله ما أسلاك.
خليد في المنذر بن الجارود:
أقول لما حملوا نعشهما يعلم النعش ولا الحاملون
ما حملوا من حسب ثاقبونائل جزل وجد ولين
الربيع بن ضبيع الفزاري:
سيدركني ما أدرك المرء تبعاويغتالني ما أغتال أنسر لقمان
وأفنى ويبقى منطقي بعد أزمنوكل امرىء إلّا أحاديثه فان
المكعبر الضبي:
وتنفر من عمرو ببيداء ناقتيوما كان ساري الليل ينفر من عمرو
لقد حبّبت عندي الحياة حياتهوحبّب سكني القبر سكناه في القبر
عبد الله بن عباس في موت الحسن بن علي:
أصبح اليوم ابن هند آمناظاهر النخوة إذ مات الحسن
ارتع اليوم ابن هند قامصاإنما يقمص بالعير السمن
علي ﵇: فاتقى عبد ربه، نصح نفسه، قدم توبته، غلب شهوته فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزيّن له المعصية ليركبها، ويمينه التوبة ليسوفها، حتى تهجم منيته عليه أغفل ما يكون عنها.
وعنه ﵁: لقد قبض رسول الله ﷺ وأن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت كفه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله والملائكة أعواني؛ ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سعي هنيمة منهم، يصلون عليه، حتى واريناه في ضريحه.
- وعنه: كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها، فكانوا فيها كمن ليس فيها، يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم، وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم.
- وعنه: من ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره.
قال هرم بن حيان لأويس القرني: أوصني. قال: توسد الموت إذا نمت، واجعله نصب عينيك إذا قمت.
قال عبد الله بن مرزوق لسلامة: يا سلامة لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تحملني وتطرحني على المزبلة لأموت عليها، فلعله يرى مكاني فيرحمني.
ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس بالطائف، فلما
وضع ليصلّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل فيها، فالتمس فلم يوجد. فلما سوّي عليه سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي
حاطب بن قيس بن هبشة يرثي عمرو بن حمحمة الدوسي:
سلام على القبر الذي ضمّ أعظماتحوم المعالي حوله وتسلم
سلام عليه كلما ذر شارقوما امتد قطع من دجى الليل مظلم
فيا قبر عمرو جاد أرضا تعطّفتعليك ملث دائم القطر مرزم
وقال عتيك بن قيس المدني يرثيه:
برغم العلى والمجد والجود والندىطواك الردى يا خير حاف وناعل
لقد غال صرف الدهر منك مرزأنهوضا بأعباء الأمور الأثاقل
يضم العفاة الطارقين فناؤهكما ضم أم الرأس شعب القبائل
ويسر ودجى الهيجا مضاء عزيمةكما كسف الاصباح طرق الغياطل
ويستهزم الجيش العرمرم باسمهوإن كان جرارا كثير الصواهل
ويمضي إذا ما النقع مدّ رواقهعلى الروع وارفضّت صليل العوامل
العيزار بن الأخنس السنبسي، وسنبس من طيء:
إلى الله أشكو أن كل قبيلةمن الناس قد أفنى الحمام خيارها
جزى الله زيدا كلما ذر شارقوأسكن من جنات عدن قرارها
أبو الهيذام العقيلي:
وما زال حكم البيض والسود نافذابأمر الردى في أنفس البيض والسود
فللثكل ترخي حملها كل حاملوللموت يغذو والد كل مولود
القاسم بن طوق بن مالك التغلبي يشمت بموت الفضل بن مروان:
أبا العباس صبرا واعترافابما يلقى من الظلم الظلوم
رزقت سلامة فبطرت فيهاوكنت تخالها أبدا تدوم
لقد ولت بدولتك اللياليوأنت ملعن فيها ذميم
وزالت لم يعش فيها كريمولا استغنى بثروتها عديم
فبعدا لا إنقضاء له وسحقافغير مصابك الحدث العظيم
محمد بن مناذر في مرثية عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وهي إحدى المراثي المبرزات، وهي نحو من ثلاثمائة بيت:
ما درى نعشه ولا حاملوهما على النعش من عفاف وجود
محمد بن هارون بن مخلد:
كأني بإخواني على حافتي قبرييهيلونه فوقي وأدمعهم تجري
فيا أيها المذري عليّ دموعهستعرض في يومين عني وعن ذكري
عفا الله عني يوم أترك ثاوياأزار فلا أدري وأجفا فلا أدري
طلب يعقوب بن الربيع أخو الفضل بن الربيع جارية اسمها ملك سبع سنين، باذلا فيها ماله وجاهه حتى ملكها، فماتت بعد ستة أشهر، فأنفذ شعره في مراثيها، فمن ذلك قوله:
بليت ملك في التراب فأبلاني بلاها وذكر ملك جديد
ينقص الوجد كلما قدم العهد ووجدي في كل يوم يزيد
الفرزدق في امرأة له ماتت حاملا.
وجفن سلاح قد رزيت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظةلو أن المنايا أرجأته ليالي
أخت طرفة ترثيه:
عددنا له ستا وعشرين حجةفلما توفاها استوى سيدا ضخما
فجعنا به لما رجونا إيابهعلى خير حال لا وليدا ولا قحما
أبو الزبرقان الكاتب يرثي أبا تمام:
خبر أتى من أعظم الأنباءلما ألم مقلقلا أحشائي
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهمناشدتكم لا تجعلوه الطائي
لما احتضر معاوية رفع يديه وقال:
هو الموت لا منجى من الموت والذيأحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال: اللهمّ فأقل العثرة، واعف عن الزلة، وعد بعفوك على من لا يرجو غيرك، ولا يثق إلّا بك، يا واسع المغفرة والرحمة، تعفو بقدرة، وما وراءك مذهب لذي خطيئة موبقة، يا أرحم الراحمين.
فبلغ سعيد بن المسيب فقال: لقد وفق عند الموت، فإن ينج أبو عبد الرّحمن من النار غدا فهو الرجل الكامل. وما أخوفني عليه!.
[شاعر]:
سروران مالهما ثالثحياة البنين وموت البنات
ماتت لرجل بنت فقال: عزوني لتعاهدوا السنة، وهنوني أن تقدم بعض إلى الجنة.
حفر ثابت البناني قبره، فكان يختلف إليه، يقرأ فيه ويصلّي حتى مات.
قال عبد الملك عند موته: يا وليد، لا أعرفنك إذا أنا متّ تجلس وتعصر عينك، وتخن كما تخن الأمة الوكعاء، لكن ائتزر وشمر وألبس جلد النمر، وضعني في حفرتي، وخلني وشأني، وعليك وشأنك.
وادع الناس إلى بيعتك، فمن قال بوجهه هكذا فقل بسيفك هكذا. ثم بعث إلى محمد وخالد ابني يزيد بن معاوية، فقال لهما: هل بكما من ندامة على بيعة الوليد؟ قالا: ما نعرف أحق بالخلافة منه. قال: أولى لكما! والله لو قلتما غير ذلك لأخذت الذي فيه أعينكما، ثم رفع ثني فراشه فإذا سيف مجرد، ونفسه تتردد في حنجرته، وهو يقول: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيرا أخذ من خلقه أم كبيرا، حتى فاضت نفسه.
ودخل الوليد ومعه بناته يبكين عليه، فتمثل:
ومستخبر عنّا يريد بنا الردىومستخبرات والعيون سواجم
وكان الطبيب قد حماه الماء، فقال: اسقوني شربة وإن كانت فيها نفسي، فسقوه فمات.
ابن عمر رفعه: ما حق امرىء مسلم له مال يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده، وكانت وصية ابن عمر لا تفارق جيبه.
وعن ابن عمر: توشك المنايا تسبق الوصايا.
جابر رفعه الذي يوصي عند الموت كالذي يقسم ماله عند الشبع.
ابن عباس ﵁: الضرار في الوصية من الكبائر.
معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه: من حضرته الوفاة فأوصى، وكانت وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته في حياته.
الفضل بن عباس: جاء رسول الله ﷺ موعكا قد عصب رأسه، فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: ناد في الناس، فاجتمعوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم، من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقدمني، ومن كنت شتمت له عرضا فليسقدمني، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يقل أحد أني أخشى الشحناء من رسول الله، ألا أن الشحناء ليست من طبيعتي ولا شأني. ألا وان أحبكم إليّ من أخذ حقا إن كان له، أو حللني فلقيت الله وأنا طيبة نفسي، وقد أرى أن هذا غير مغن عنيّ حتى أقوم فيكم مرارا.
وذكر أنه رجع فقال مثله، وأن رجلا ذكر أن له عليه ثلاثة دراهم فقضاها. وأن عكاشة بن محصن قال: رفعت قضيبك الممشوق لتضرب العضباء، وأنا بقربك، فأصابني، فأتى به فقال: يا هكاشة فاقتص مني قبل القصاص يوم القيامة، فكرر قوله فضوح الدنيا أهون من فضوح يوم القيامة، فقال: ضربتني وأنا عريان، فألقى جبة من صوف كانت عليه، فخر عليه يقبله ويمرغ عليه وجهه ويقول: أعوذ بهذا البطن من النار.
فقال: يا عكاشة أعاذك الله من النار. ثم قال: عفوت عنك يا رسول الله،
فقال عفا الله عنك كما عفوت عن نبيه.
اجتمع الحسن والفرزدق في جنازة النوار بنت أعين بن ضبيعة امرأته، فقال الفرزدق: يقولون فيها خير الناس وشر الناس. فقال الحسن: لست أنا بخير الناس، ولا أنت بشر الناس، ثم قال له: يا أبا فراس ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلّا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن: هذا العمود فأين الطنب ؟ فقال الفرزدق:
أخاف وراء القبر إن لم تعافنيأشد من القبر التهابا وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائدعنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشىإلى الموت مغلول القلادة أزرقا
فبكى الحسن حتى بل كمه.
عثمان ﵁: قال رسول الله ﷺ: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة. قال: وثلاثة، قلنا:
واثنان، قال: واثنان. ولم نسأله عن واحد.
ثوبان: خرج رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى ناسا ركوبا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب.
أنس: شكا رجل إلى رسول الله قسوة قلبه، فقال: اطلع على القبور، واعتبر بالنشور.
عثمان ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما رأيت منظرا إلّا والقبر أفظع منه. وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكى عند ذكر الجنة والنار. فقيل له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده شر منه.
مرّ عبد الله بن عمر بمقبرة فصلّى ركعتين، وقال: ذكرت أهل القبور، وأنهم حيل بينهم وبين هذا، فأردت أن أتقرب بهما إلى الله تعالى.
البراء رفعه: في قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
، يكسى الكافر في قبره لوحين من نار.
معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي قال: أخبرني من شئت من رجال قومي أن جبرائيل ﵇ أتى رسول الله ﷺ في جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فقام رسول الله يجر ثوبه مبادرا إلى سعد بن معاذ، فوجده قد قبض.
قال جابر: ولما وضع سعد في قبره سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه، ثم كبر فكبروا معه. فقالوا: يا رسول الله لم سبّحت؟ قال:
هذا العبد الصالح لقد تضايق عليه قبره حتى فرجه الله عليه.
وروي أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول.
وعن عائشة رفعته: إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ.
وروى أنس: لو أن بني آدم علموا كيف عذاب القبر ما نفعهم العيش في الدنيا، فنعود بالله من عذاب القبر.
الإنسان ينسى حمامه ويريد أن يفجر أمامه.
محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله.
ومتعب النفس مرتاح إلى بلدوالموت يطلبه في ذلك البلد
الموت قانص لا يشوى.
قيل للحجاج، وقد أشرف على الموت، وهو على الإسراف: ما تجزع من الموت؟ قال: إن كنت مسيئا فليست ساعة جزع، وإن كنت محسنا فليست ساعة فرح.
من يزف كريمته إلى القبر فقد بلغ أمنيته من الصهر.
استسلم لأمر الله فيما ذهب، واشكره على ما وهب.
الحسن: ما من يوم ألا تصفح ملك الموت وجوه الناس فيه خمس مرّات، فمن رآه على لهو ولعب، أو معصية، أو رآه ضاحكا حرك رأسه وقال: مسكين هذا العبد، ما أغفله عما يراد به! ثم قال: اعمل ما شئت فإن لي فيك غمزة أقطع بها وتينك.
معاوية: أتتنا عجوز دهرية نسألها فقالت: حدّثني أشياخ لنا أن الميت إذا وضع في قبره اعتورته أربع نيران، فتجيء الصلاة فتطفىء واحدة منها، ويجيء الصوم فيطفىء واحدة، ويقول: لو أدركتهن لأطفأت كلهن، ولكن أنا لك وأمامك.
قعد أبو حازم المدني على شفير قبر، فقال لصاحبه: ماذا ترى؟ فقال: أرى حفيرة يابسة وجنادل صما. فقال: أما والله لتمهدنه
لنفسك أو لتكونن معيشتك فيه ضنكا.
حاتم الأصم: ما من صباح إلّا ويقول الشيطان لي: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.
الصاحب في تعزية عن بنت: لئن كانت الأيام قد فجعتك من المتوفاة بمن يوحش الخدور، فقد تجافت لك من ذكورة الولد عمن يؤنس الصدور.
معاذ بن جناب اليربوعي، وعاش مائة وأربعين سنة:
للموت ما يغذى وللموت قصرناولا بد من موت وإن نفس العمر
فمن كان مغرورا بطول حياتهفإني كفيل أن سيصرعه الدهر
وليس بباق إن سألت ابن مالكعلى الدهر إلّا من له الدهر والأمر
قال مسلم بن عبد الملك: ما وعظني إلّا عمران بن حطان في قوله:
أفي كل عام مرضة ثم نقهةوتنعي ولا تنعى فكم ذا إلى متى
فقال له معاوية الصوفي: أما أنا فقد سمعته أمات الموت وما أماته شاعر قبله، حيث يقول:
لا يعجز الموت شيء دون خالقهوالموت فإن إذا ما جاءه الأجل
وكل شيء أمام الموت متضعللموت والموت فيما بعده جلل
الأمير نصر بن أحمد عند وفاة أخيه أبي الأشعث:
يعزي المعزي ثم يمضي لشأنهويبقى المعزّى في أحر من الجمر
ويسلو المعزي عن قليل كغيرهويبقى المعزى عنه في وحشة القبر
كان بعض الصالحين إذا مات له حميم يقول: كدت والله أكون السواد المختوم.
قيل لحسان: مالك لم ترث رسول الله ﷺ؟ فقال: لأني لم أر شيئا إلّا رأيته يقصر عنه.
كان عبد الملك يكرم كثيرا على ما يعلم من رأيه، وكان علوي الرأي، فلما مات دخل كثير على ولده وهم يقتسمون ميراثه، فلم يلتفتوا إليه، فخرج وهو يقول:
أضحت رثاث ابن مروان مقسمةفي الأقربين بلا حمد ولا ثمن
ورّثتهم فتعزوا عنك إذ ورثواوما ورثتك غير الهم والحزن
قال عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حيوة: يا رجاء إذا وضعتني في لحدي فاكشف الثوب عن وجهي، فإن رأيت خيرا فاحمد الله، وإن رأيت غير ذلك فاعلم أن قد هلك عمر. فلما دفناه كشفت عن وجهه، فرأيت نورا ساطعا فحمدت الله، وعلمت أنه قد صار إلى خير.
ماتت بنت لعمر بن عبد العزيز فأتاه الناس، فقال لحاجبه:
قل لهم إنّا لا نعزى على البنات والأخوات فارجعوا.
رجاء بن حيوة: دخلت على عمر حين احتضر، فقال: يا رجاء إني أرى وجوها كراما ليست بوجوه إنس ولا جان، وهو يقلب طرفه يمينا ويصعده ويحدره، ثم رفع يديه فقال: اللهمّ ربي، أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، فإن عفوت فقد مننت، وإن عذبت فما ظلمت، إلّا أني أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك المصطفى، ورسولك المرتضى، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فعليه السلام والرحمة. ثم قضى ﵀.
كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذا وقف على قبر قال: ألا أراك ضيقا؟ ألا أراك مظلما؟ لئن سلمت لأتأهبن لك أهبتك.
عن كثير بن زيد: كبر حكيم بن حزام حتى ذهب بصره، ثم اشتكى فاشتدّ وجعه، فقلت: لأحضرنه ولأنظرن ما يتكلم به، فإذا هو يهمهم ويقول: لا إله إلّا أنت، أحبك وأخشاك، حتى مات.
أسماء بنت عميس: أنا لعند علي بن أبي طالب بعد ما ضربه ابن ملجم، إذ شهق شهقة ثم أغمي عليه، ثم أفاق فقال: مرحبا، مرحبا، الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الجنة، فقيل له: ما ترى؟
قال: هذا رسول الله، وأخي جعفر، وعمي حمزة، وأبواب السماء مفتحة، والملائكة ينزلون يسلمون عليّ ويبشرون، وهذه فاطمة قد طاف بها وصائفها من الحور، وهذه منازلي في الجنة. لمثل هذا فليعمل العاملون.
ووقف على قبره رجل من ولد حاجب بن زرارة فقال: لقد كانت حياتك مفتاح خير ومغلاق شر، ووفاتك مفتاح شر ومغلاق خير. ولو أن الناس قبلوك بقولك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم آثروا الدنيا فانتقض الأمر كما ينتقض الحبل عن مزايره.
جعل معاوية لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة ألف حتى
سمته، ومكث شهرين وأنه ليرفع من تحته كذا طستا من دم. وكان يقول:
سيقت السمّ مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة، لقد لفظت كبدي فجعلت أقلبها بعود كان في يدي. وقد رثته جعدة بأبيات منها:
يا جعد بكيه ولا تسأميبكاء حق ليس بالباطل
إنك لن ترخي على مثلهسترك من حاف ولا ناعل
وخلف عليها رجل من قريش فأولدها غلاما، فكان الصبيان يقولون له: يا ابن مسممة الأزواج.
ولما كتب مروان بشكاته إلى معاوية بشكاته، كتب إليه: أن أقل المطي إلي بخبر الحسن، ولما مات وبلغه موته سمع تكبير من الخضراء، فكبر أهل الشام لذلك التكبير. وقالت فاختة بنت قرط لمعاوية: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين، ما الذي كبّرت له؟ قال: مات الحسن، قالت:
أعلى موت ابن فاطمة تكبرّ؟ قال: والله ما كبرّت شماتة لموته، ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة.
وكان ابن عباس بالشام، فدخل عليه وقال له يا ابن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: لا أدري ما حدث إلّا أني أراك مستبشرا ومن يطيف بك وقد بلغني تكبيرك وسجودك. قال: مات الحسن.
قال: إنا لله، رحم الله أبا محمد، ثلاثا. ثم قال: والله يا معاوية أنه لا يسد جسده حفرتك، ولا يزيد يومه في عمرك، ولئن كنا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتقين، وخاتم النبيين، فسكن الله تلك العبرة، وجبر تلك المصيبة، وكان الله الخلف علينا من بعده.
وقال لأخيه الحسين: إذا أنا متّ فادفني مع رسول الله إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن منعوك فادفني في بقيع الغرقد، فلبس الحسين ومواليه
السلاح، وخرجوا ليدفنوه مع رسول الله ﷺ، فخرج مروان في موالي بني أميّة فمنعوه من دفنه مع رسول الله ﷺ.
كان لعلي بن الحسين جليس مات له ابن فجزع عليه، فعزاه ووعظه، فقال: يا ابن رسول الله إن ابني كان من المسرفين على نفسه، فقال: لا تجزع إن من وراء إبنك ثلاث خلال، أما أولهن فشهادة ألا إله إلّا الله محمد رسول الله، والثانية شفاعة جدي ﵊، والثالثة رحمة الله التي وسعت كل شيء. فأين يخرج ابنك من واحدة من هذه الخلال؟.
قال آدم ﵇ حين احتضر لابنه شيث: يا بني، أوصيك أن تطلي جسدي بدهن ومرّ ولبان مما هبط به عليّ من الجنة، فإنه إذا طلي به الميت لم ينفصل شيء من أعضائه حتى يبعثه الله. وأوصيك أن يكون معك دهن ومرّ ولبان حيث ما ذهبت، فإن الشيطان لا يقربك، وأوصيك أن تجعل جسدي في تابوت، وتجعلني في مغارة في أوسط الأرض.
ومات يوم الجمعة، وصلى عليه في الساعة التي خرج فيها من الجنة، في ست ليال خلون من نيسان، وعمره تسع مائة وستون سنة.
وناحوا عليه مائة وأربعين يوما.
وعن ابن عباس قبره بمسجد الخيف بمنى، قال عطاء بلغني أن قبره تحت المنارة التي وسط مسجد الخيف.
وهب بن منبه: إن الكافر إذا وضع في لحده هبط به إلى سجين.
وعن طاووس أنه قال لولده: يا بني، إذا وضعتني في لحدي
فارفع لبنة وانظر فإن رأيتني فاحمد الله، وإن لم ترني فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
دفن طلحة ﵁ على شاطىء المكلا بالبصرة، فرآه مولى له في المنام، فقال: أدركوني فقد غرقني الماء. فابتاعوا له دارا بالبصرة بعشرة آلاف وحوّلوه إليها.
مات أبو عيسى أخو المأمون، وقد عزم على أن يعقد له بعده، فعزاه محمد بن عباد، فقال: يا محمد حال القدر دون الوطر، وألوت المنية بالأمنية. فقال: يا أمير المؤمنين، كل مصيبة ما أخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
عن ابن شهاب: أن رجلا أهدى إلى أبي بكر صفحة من خريز، وعنده الحارث بن كلدة، فأكلا منها، فقال الحارث: فيها سم سنة، فو الذي نفسي بيده لا يمر بي وبك أكثر من حول. فماتا في يوم واحد على رأس السنة.
كان أبو هريرة إذا سئل عمن مات قال: أنت فإن كرهت فأنا.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع