من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الثامن: وهو حذف "لو" وجوابها
وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها.
فأما حذف "لو" فكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
تقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
تقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.
وهذا من أحسن المحذوفات.
ومما جاء من ذلك شعرًا قول بعضهم في صدر الحماسة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبليبنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشنعند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
ف"لو" في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: "لم تستبح إبلي" ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها: إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، أو: إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن.
وأما حذف جواب "لو" فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا، لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى.
ومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
فإن جواب "لو" ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك، مما جرى مجراه.
ومما جاء على نحو من هذا قوله ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم.
ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
فجواب "لو" في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾.
أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لكان هذا القرآن.
وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة، وأوضحها، لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى -حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يتسارع الفهم فيه إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب.
ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية، التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنتله المراقب بين السمر والقضب
فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك.
واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دل عليه مكان المحذوف.
ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.
وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع