تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

فصل في ذكر من جرع كأس الضنى وصبر على مكابدة العنا واتصف بذلك كله من

النساء وثبت بعد فراق محبوبه على النوى أو كان منها داعية الاعتداء

حكى صاحب النزهة، قال نشأ ببني حران شاب لبعض التجار يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطافة والعفة، وكان له ابنة عم تسمى لطيفة، وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال. فتوفي أبوها وتركها صغيرة فكلفها عمها حتى بلغت، فكانت تنظر إلى ابن عمها فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها، فمرضت وهي تكتم أمرها.

وكانت امرأة عمها فطنة مجربة للأمور فامتحنتها فوجدتها تغيب عن حسها أحياناً. فإذا دخل الغلام صحت والتمست ما تأكل فأخبرت أباه، فقال يا لها نعمة، ثم زوجه منها فأوقع الله حبها في قلبه فأقاما على أحسن حال مدة، وهو يأمرها أن تكون دائماً متزينة متطيبة، ويقول لها لا أحب أن أراك إلا كذا فلم يزالا على ذلك حتى ضعف الشاب ومات، فحزنت عليه وفقدت عقلها، فكانت تتزين بأنواع زينتها كما كانت وتمضي وتمكث على قبره باكية إلى الغروب.

قال الأصمعي مررت أنا وصاحب لي بالجبانة فرأيتها على تلك الحالة فقلنا لها علام ذا الحزن الطويل فأنشدت:

فإن تسألاني فيم حزني فإننيرهينة هذا القبر يا فتيان
للشاعر لطيفة الحدانية، اقرأ القصيدة
وإني لاستحييه والترب بينناكما كنت أستحييه حين يراني
للشاعر لطيفة الحدانية، اقرأ القصيدة

فعجبنا منها ثم جلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشدت:

يا صاحب القبر من كان يؤنسنيوكان يكثر في الدنيا موالاتي
قد زرت قبرك في حلى وفي حللكأنني لست من أهل المصيبات
للشاعر لطيفة الحدانية، اقرأ القصيدة
لزمت ما كنت تهوى أن تراه وماقد كنت تألفه من كل هيآتي
فمن رآني رأى عبرى مولهةمشهورة الزي تبكي بين أموات

ثم انصرفت فتبعناها حتى عرفنا مكانها فلما جئنا إلى الرشيد، قال حدثني بأعجب ما رأيت فأخبرته بأمر الجارية. فكتب إلى عامله على البصرة أن يمهرها عشرة آلاف درهم ففعل وأتي بها إليه وقد أنهكها السقم فتوفيت بالمدائن.

قال الأصمعي فلم يذكرها الرشيد إلا ذرفت عيناه. وحكى بعض أهل المدينة، قال دعاني صاحب لي لسماع جارية تغني، فدخلنا عليها فإذا هي منخرطة الوجه متغيرة تكثر من السهر والاطراق كأنها مشغولة فعزمت عليها أن تخبرني بما بها، فقالت برح الذكر ودوام الفكر وخلو النهار وتشوقي إلى من سار، والذي ترى مما وصفت لك فإن كنت ذا أرب صرفت العتب عن ذي الكرب، واجتهدت في طلب الدواء لمن أشرف على العطب وأخذت العود فغنت تقول:

سيوردني التذكار خوض المهالكفلست لتذكار الحبيب بتارك
أبى الله إلا أن أموت صبابةولست لما يقضي الإله بمالك
كأن بقلبي حين شط به النوىوخلفني فرداً صدور التيازك
تقطعت الأخبار بيني وبينهليعد النوى واستد سبل المسالك

فوالله لقد خفت أن تسلب عقلي بغنائها، فقلت جعلني الله فداءك وهذا الذي صبرك إلى ما أرى يستحق ذلك مع أن الناس كثير فلو تسليت بغيره فلعل ما بك يسكن ويخف فقد قال الأول:

صبرت على اللذات لما تولتوألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتىفإن أطعمت تاقت وإلا تولت
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «صبرت على اللذات لما تولت»

فقالت قد رمت ذلك فكنت كما قال قيس ولما أبى إلا جماحا البيتين، فأسكتتني حجبها عن المحاورة، وما رأيت كمنطقها وحسنها وأدبها.

وحكى الزبير بن بكار قد دخلت على الأمير بن طاهر حين قدم من الحجاز فتبسم في وجهي ثم قال:

لئن باعدت بيننا الأنسابفقد قربت بيننا الآداب

وأن أمير المؤمنين اختارك لتأديب ولده، فأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشر نحوت وبغال تحمل عليها أمتاعك، فشكرت فضله.

فلما عزمت على الانصراف قال زودنا أيها الشيخ حديثاً نذكرك به فقلت أحدثك بما رأيت أبو بما سمعت قال بما رأيت أو بما سمعت. قال بما رأيت قلت بينما أنا بين المسجدين أو قال على اثاوة الأعرج، إذا أنا برجل صاد ظبياً وهم ليذبحه فنشب الظبي بقرنيه في الرجل فدخلا في جوفه فسقط الصياد والظبي ميتين أو قال رأيت حبالة منصوبة وظبياً مذبوحاً ورجلاً ميتاً فجاءت امرأة حسارة وهي تقول:

يا حسن يا بطل لكنه أجلعلى الاساءة ما أودي بك البطل
يا حسن قلقل أحشائي وأزعجهاوذاك يا حسن عنيد كله جلل
أمست فتاة بني نهد علانيةوبعلها في أكف القوم يبتذل
قد كنت راغبة فيه أضن بهفحان من دون ضن الرغبة الأجل

ثم شهقت فماتت، فلم أرى أعجب من الثلاثة. وفي رواية وبعلها فوق أيدي القوم محتمل فوهب له عشرة آلاف درهم، ثم قال أتدرون ما استفدنا من الشيخ قالوا لا، قال قوله علانية يعني ظاهرة وهذا حرف لم أسمعه من العرب.

وحكى أن امرأة أحبت رجلاً وكان متمنعاً عنها زماناً فراسلته أن يتزوج بها ففعل وكانت بينهما ألفة شديدة فمكثا على ذلك مدة، فمرض ومات فجعلت المرأة تتردد إلى قبره ولزمته يوماً تبكي وتنشد:

كفى حزناً إلى أروح بحسرةوأغدو على قبر ومن في لا يدري
فيا نفس شقي جيب عمرك عندهولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر
فما كان يأبى أن يجود بنفسهلينقذني لو كنت صاحبة القبر

ثم زادت في النحيب وانكبت على القبر فإذا هي ميتة. وحكى الربيع قال مررت بجارية على قبر تقول:

بنفسي فتى أوفى البرية كلهاوأقواهم في الموت صبراً على الحب

قال فقلت لها بم صار كذلك قالت كان إذ أعنف في حبي يصبر وإذا لحى عليه يسكت وإذا زاد به الغرام ينشد هذين البيتين:

يقولون إن جاهرت قد عضك الهوىوإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا
فما للذي يهوى ويكتم حبهمن الأمر إلا أن يموت فيقبرا

ولم يزل يكررهما حتى مات فها أنا مقيمة على حفظ عهده لا أبرح حتى يتصل القبران ثم صرخت وسقطت فاجتمع النساء فحركنها فإذا هي ميتة، فدفنت إلى جانبه.

وحكى رجل من تميم قال ضلت لي ابل فخرجت في طلبها فإذا أنا بجارية كأنها قمر تغشى بصر من ينظر إليها، فما رأتني قالت مالك؟ قلت ضلت لي ابل فلم أعرف خبرها. فقالت هل أدلك على من عنده علمهن. قلت بلى قالت إن الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن وهو أحق بردهن فسله من طريق التيقن لا من طريق الاختبار فأعجبني كلامها ووقفت أنظر إليها ثم راودتها عن نفسها فقالت هبك ليس لك مانع من أدب أمالك زاجر من الحياء فقلت لن يرانا إلا الكواكب. فقالت أين مكوكبها؟ فقلت ألك بعل قالت قد كان ولكن دعي إلى ما خلق له فصار إلى ما خلق منه ثم أنشدت:

إني وإن عرضت أشياء تضحكنيلموجع القلب مطوي على الحزن
إذا دجا الليل أحياني تذكرهوزادني الصبح أشجاناً على شجني
وكيف ترقد عين صار مؤنسهابين التراب وبين القبر والكفن
ابلي الثرى وتراب الأرض جدّتةكأن صورته الحسناء لم تكن
أبكي عليه حنيناً حين أذكرهحنين والهة حنت إلى وطن
أبكي على من حنت ظهري مصيبتهوطير النوم عن عيني وأرقني
والله لا أنس حبي الدهر ما سجعتحمامة أو بكى طير على فنن

فقلت لها عندما رأيت من جمالها وفصاحتها هل لك في زوج لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه فأطرقت ملياً ثم أنشدت تقول:

كنا كغصنين في أصل غذاؤهماماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من جنب صاحبهدهر يكر بفرحات وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمنيأن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضاً فعالجهريب المنون قريباً من سنيات
فاصرف عنك عمن ليس يردعهعن الوفاء خلاف في التحيات

وحكى إبراهيم الموصلي، قال كان كثيراً ما يصف في زلزل جارية عنده فلما مات مولاها وسمعت عرضها للمبيع ركبت حتى دخلت عليها فإذا هي جاريه كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها ونقص منه فسألتها أن تغني، فأخذت العود وغنت:

اقفر من أوتاره العودفالعود للاقفار معمود
وأوحش المزمار من صوتهفما له من بعدك تغريد
من للمزامير ولذاتهاوعارف اللذات مفقود
فالخمر تبكي في أباريقهاوالقينة الخمصانة الرود

فركبت إلى أمير المؤمنين فأعلمته بها، فاستحضرها فلما وقعت من قلبه، قال لها هل لك أن أشتريك؟ فقالت أما إذا اشتريتني فلا خير لك فيّ، فرحمها وأعتقها وأجرى عليها مؤونة.

ومن وفاء النساء أن كسرى أبرويز ترك جارية كانت حظية فطلب ولده أخذها فعالجت ناوس كسرى ففتحته ودخلت فمصت خاتماً مسموماً كان في أصبعه فماتت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.