من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
ومبهم ما ذكره ابن المرزباني في الذهول والنحول عن سعيد بن ميسرة
قال صحبنا شاب فكان لا يلهج إلا بهذه الأبيات:
الا إنما التقوى ركائب ادلجتوأدركت الساري بليل فلم ينم
وفي صحبة التقوى غناء وثروةوفي صحبة الأهواء ذل مع العدم
فلا تصحب الأهواء واهجر محبهاوكن للتقي الفاتكن في الهوى علم
فسألناه لمن الأبيات قال لأخ لي كنت أحبه شديداً ولم أر أمزح منه مع التقوى، فسألته: الدنيا تلهج بهذه أم لأخرى، فقال لأمر لا أخبرك به حتى ينفذ من يدي.
ودام على ذلك حتى لزم الفراش فكانت الأطباء تختلف إليه ولم تؤثر معه شيئاً وكان يصرخ الليل كله فأجمعنا على أن ندعه وشأنه، فكان يجلس نهاره على الباب، وكلما مر به شخص يسأله إلى أين يذهب فيقول إلى موضع كذا فيقول لو مررت على من نريد لحملناك حاجة، فقال له صاحب له أنا مار حيث تريد فقال:
تقر السلام على الحبيب تحيةوتبثه بتطاول الأسقام
وتفيده أنّ التقى ذم الهوىلما غدا مستغولاً بزمام
قال نعم، فلما كان بأسرع من أن رجع، فقال بلغتهم رسالتك فقالوا:
لئن كان تقوى الله ذمتك أن تنلأمور أنهى عنها بنهي حرام
فزرنا لنقضي من حديث لبانةونشفي نفوساً آذنت بسقام
قال فوثب قائماً ثم أنشد يقول:
سأقبل من هذا وفيه لذي الهوىشفاء وقد يسلو الفتى جد وامق
إذا اليأس حل القلب لم ينفع البكىوهل ينفع المعشوق دمعة عاشق
قال ومضى، فقمت خلفه وحدي حتى أتى منزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين، وكانت له ابنة من أجمل النساء، فوقف على الباب وقال:
فها أنا قد جئت أشكو صبابتيوأخبركم عما لقيت من الحب
وأظهر تسليماً عليكم لتعلموابأنّ وصولي ثم ذا منكم حسبي
قال فلما فهمت القصة وخشيت أن يظهر أمره قلت له ما جلوسك على باب القوم ولم يأذنوا لك، قال بلى قلت كيف وهم يقولون:
بالله ربك لا تمر ببابناأنا نخاف مقالة الحساد
فقال يا صالح أقد قالوا هذا؟ قلت نعم، فجعل يهذي ويقول:
إن كان قد كرهو زيارة عاشقفلرب معشوق يزور العاشقا
ثم رجع فلزم الوساد حتى مات.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع